الإثنين“ 18 مارس 2019 - 07:20 م - جرينتش

سرعة "البوينج والميج" وسلوكيات مرفوضة


من اجل القضايا العربية 

الأهرام المسائي صدر بتاريخ (2003)

 

الأهرام المسائي- 31/7/2003م – العدد 41505 

بعض الأقلام جريئة وملهمة في كتابة النقد اللاذع وتقييم الأمور، ووصف الحلات، دون غطاء ولا مقدمات. ولكنها ساخرة حقًا في روعة الأسلوب، وتفرض احترامها واحترام كاتبها على القارئ وتحفر في أعماقه مشاعر التصديق والإيمان بما يقرأ منها، ولكن مع تحفظي الشديد على بعض الصراحة التي هي أمانة في عنق الكاتب، وذمة على عنان قلمه، والتحفظ لا يعني الرفض ولكنه المدح الذي يشبه الذم.

سرعة "البوينج والميج" وسلوكيات مرفوضة 

بعض هؤلاء الكتاب يكتب مصورا أسوأ ما تراه عيناه وأسوأ ما يجرح الذوق السليم في كل مكان وخاصة القاهرة التي أحبها وعاصمة العروبة التي أعشقها حتى عندما ينددون بسوء الطقس‏،‏ ودرجة الحرارة التي لا دخل فيها للمجتمع ولا للدولة، أجدهم كأنهم يدفعونني للمجادلة والمنافحة بشراسة عن القاهرة الساحرة الساهرة، أما حين يكتبون منددين بالتلوث‏، ‏والزحام‏،‏ ومظاهر الكتل البشرية والغبار المتصاعد فإنني أشعر بالفخر وأقول بكل فخر هذه الميزة التي تفتقدها المدن الأخرى في وطني العربي الكبير‏،‏ وهي وحدها سر من أسرار التفرد وعلامة من علامات كثرة العشاق الذين يملؤنها ويتراكمون علي أبوابها كما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم:

كم ذا يعاني مغرم ويلاقي***** في حب مصر كثيرة العشاق

وأنافح عن هذه الخاصية بالحكمة الشهيرة التي منها‏:‏

والمورد العذب شديد الزحام

رغم أنفي وأنف الناقدين وكذلك عندما قرأت عمودا في جريدة الثورة اليمنية عن صنعاء وبالمعنى قال الكاتب إذا رأيت طفلا يقود السيارة وبأقصى سرعة ويجتاز الإشارات الحمراء فلا تستغرب فأنت في اليمن‏،‏ وإذا رأيت عشرات من الأيدي تخترق عليك نافذة السيارة هذا بائع‏،‏ وهذا سائل‏،‏ وهذا يعرض جريدة‏،‏ وهذا يريك عاهة في جسده ليستدر عطفك فلا تستغرب فأنت في اليمن.

ورغم الصدق والنقد الموضوعي من الكاتب إلا أنني وجدت حزنا من هذا الوصف لا لأن فيه شيئا غير صحيح، ولكن لأنه نكأ جرحي‏،‏ وعيرني بعيب في وجه حبيبتي اليمن‏،‏ وذكرني الطفل ‏(أحمد‏)‏ الذي كان وحيد الأبوين وأذكى من رأيت‏،‏ وهو يمثل حقيبة أدب،‏ وهدوء‏،‏ وذكاء عندما اغتالت رجليه سيارة كان يقودها طفل آخر من عائلة لا تسأل عما تفعل‏،‏ وتحول أحمد إلي طفل معاق يبحث أهله عن أي محسن يشتري له ساقين صناعيتين ومصحة يقيم فيها لتلف في عموده الفقري مما جعله لا يتحكم فيما يخرج منه‏.

ومع دفاعي الشديد عن صنعاء والقاهرة إلا أنني أصغيت (في هذا الأسبوع)‏ إلى نصيحة قدمها لي رجل أعمال حيث قال‏:‏ لا أختلف معك إطلاقا على الحب والعشق للقاهرة، ولكنني منذ قدمت لقضاء إجازة الصيف مع أولادي لم أكن قادرا على عبور الشارع من الرصيف الأيمن إلى الجانب الأيسر في شارع جامعة الدول العربية، أشهر الشوارع القاهرية، لأنني أخشى على نفسي وعلى أطفالي من الموت الأكيد، عندما أقف وقتا طويلا أبحث عن فرصة للعبور إلى سكني فلا يقف أي سائق كان‏،‏ وإذا غامرت ودفعت نفسي إلى الشارع لأحرج السائقين بالتوقف فقد يقف أحدهم على مضض وهو يهزئ أو يشتم ويداه ممتدتان خارج نافذة السيارة ويحركهما من الغيظ بالوعيد، وبمجرد فوزي بهذا التوقف المشئوم أفاجأ أن السائق الآخر الذي ينطلق بسرعة‏(‏ البوينج‏)‏ و‏(‏الميج‏)‏ وعيناه في جانب آخر لا يري ولا يسمع، قد أضاع الفرصة التي منحني إياها السائق الأول مكرها، وآخرون من السائقين تتعالى أبواق سياراتهم كأصوات زفة العرس‏،‏ أو كسيارة الإسعاف بشكل جماعي حتى يسمعهم العابرون في شارع السودان ويفزع النائمون من أبواقهم في فنادق الشيراتون، كل ذلك من أجل تحذيري أو طفل بيدي حتى لا نبحث عن فرصة للعبور‏.‏

لقد تعاطفت مع هذا الرجل لا لأنه صديق يحب القاهرة‏،‏ ويعاني من سوء أخلاق السائقين، ولكن لأنه ذكرني عشرات المآسي والمواقف المحرجة التي طالما تجرعتها من أمثال هذه الحادثة‏.‏

ولا علاقة لها إطلاقا بالمكان‏،‏ ولا بالزمان‏،‏ ولكن الأزمة هي أزمة أخلاق واستخفاف بالنظام العام‏، وحقوق المجتمع وفي شارع الخليفة المأمون بمصر الجديدة مثل شارع جامعة الدول العربية، ما أكثر أن يتحول إلى ميدان سباق وأبواق،‏ وطائشون يستأجرون السيارات من المعارض‏،‏ أو يسرقونها من آبائهم وأمهاتهم ويقذفون بأرواحهم،‏ وأرواح المارة إلى الهلاك‏،‏ وكثيرا في آخر الليل وقبل الغروب ما تسمع أصوات(‏ الفرامل‏)‏ مكبح السيارة وهو يصدر صوتا عاليا من الصفير المزعج، فنهب مسرعين إلى النوافذ لنرى عما أسفرت الحادثة‏،‏ وإذا بنا لا نرى إلا شبابا يمارسون هواية التسابق والمغامرات وقلة الأدب، ويستمتعون بهذه الحركات السخيفة المروعة‏.‏

كل هذه الحالات تحتم على عشاق القاهرة والمدن جميعا أن يتمنوا على سلطات السير والأمن لإعادة العمل على نظام المراقبة‏،‏ وإعادة النظر في تشديد العقوبات‏،‏ وسحب الرخص‏،‏ وحجز السيارة المخالف قائدها والتشديد على سائقي الأجرة لتحديد قيمة النقل وأجور التاكسي وعدم منح الرخص للقيادة إلا بعد اجتياز امتحان في الذوق والأخلاق للسائق‏.‏

حتى لا يفسدوا مدننا الجميلة‏،‏ وبلادنا السعيدة كما أن الأنفاق و‏الكباري‏‏ والجسور الجوية للعابرين "المشاة" على‏ وتحت الشوارع الكبرى من الضرورات الملحة، والتجربة الرائعة في ميدان الأزهر والحسين‏،‏ وفي شارع الحرية والجيش في الإسكندرية خير مثال على أهمية الأنفاق لسلامة العابرين‏،‏ ولعدم تعثر حركة السير ومرجع كل الأمور الذوقية في المجتمع هي الأخلاق والقيم التي يجب الالتزام بها‏،‏ ولله در القائل:‏

وإذا أُصِيبَ القومُ في أخلاقِهِمْ ***** فَأقِمْ عليهِم مأتَماً وعَويلا 

الدكتور عبد الولي الشميري