الإثنين“ 21 مايو 2018 - 02:38 م - جرينتش

ثلاثة انقلابات عاجلة


إفتتاحيات مجلة المثقف العربي 

العدد رقم(33) صدر بتاريخ (2004)

 

لا أستفز من يقرأ هذا العنوان بمخاطرة الحياة، ومغامرات الموت، ولا أقحم الهمم الخاملة في مستنقع التخلف العربي في أن تفكر مليَّا وتتوقع وتتوجس. إنني أود أن تأخذنا هواجس التفكير في اتجاه الحلول الصحيحة، والطرق القصيرة لإصلاح أوضاع المجتمع العربي شعوبًا ودولا، دون أن تطول رحلة الضياع العربي أكثر مما مضى من الوقت 

مَشَتِ القُرونُ وكلُّ شَعْبٍ قد مَشَى معها وقومُكَ واقفون ونُوّمُ 

لم تَرِتفعْ كفٌّ لِصفعةِ غَاشمٍ فيهم، ولم يَنْطِقْ بتهديدٍ فَمُ 

إن شهوات السيطرة والنفوذ التي كانت تدير محور المطامع في عقول بعض الزعماء العرب للهيمنة على الأقطار الضعيفة المجاورة لها إمَّا بالقوة المالية ، أو العسكرية، أو السياسية، وإمّا بالتشويه وتغلغل العملاء والمخبرين الذين يضعفون النظام أمنيَّا حتى يرضخونه للأقوى قد ولَّـت، وانقضت تلك المطامع، وزال عصر الأطماع العربية ـ العربية، وأصبحت كافة الأقطار العربية قويها، وضعيفها، غنيها وفقيرها يقفون تحت مظلة القبول بإسرائيل على عتبات البيت الأبيض، ويتنافسون بشدة بالغة للحصول على شهادات حسن سيرة وسلوك.

اليوم أصبح بطل الأبطال من طابور الغطرسة العربية أذل وأخزى من أي مهزوم في معركة فرسانُها عجائز عُزل. 

أصبح الهم الكبير والوحيد أن تمر الأيام بسلام، وأن تهدأ عاصفة الحملة الأمريكية على المنطقة وتنقشع سحبها سداسية النجمة، والأبطال المغاوير ما يزالون يحتفظون بأماكنهم في قصورهم بنفس الأسماء والألقاب، وإن ضعفت البلاد، ودانت الرقاب، فلم يعد اليوم من يحمل طموح عبد الناصر، ولا أطماع صدام، وأشهد أن الزعماء اليوم لا توجد في ذهن أي منهم حالياً أي مطامع أو طموح في أي قطر آخر بشكل حقيقي، فكل منهم له ما يكفيه من الهم والغم.

وتأتي محاولات البحث عن أي صيغة جماعية عربية يمكن أن تحقق للأنظمة العربية ودول المنطقة قدرًا كافياً من الاستقرار الداخلي، والتضامن إزاء القضايا الخارجية لتقليل الهيمنة، وتخفيف حدة الشروط القسرية التي لا تكاد تتوقف، بل تتوالد وتتكاثر يومًا بعد يوم.

وتأتي المحاولات العربية في هذا الاتجاه تقليدية، وجافة، وعقيمة، والشارع العربي المهتم بالمتابعة والترقب ما يزال يسمع جعجعة ولا يرى طحنا" وإن الأحداث الجسيمة والمخاطر العظيمة التي تحيط بالمجتمع العربي وأنظمته السياسية بحاجةٍ عاجلةٍ وسريعة لخطوات جريئةٍ، وغير مترددة في اتجاه ثلاثة انقلابات جدية وشاملة،ٍ يتآزر فيها المجتمع العربي بكل فئاته، وتخصصاته، وبكافة إمكانياته.

ويجب على الأنظمة العربية قاطبة إن كانت صادقة في توجهاتها في السباحة نحو الشاطئ أن ترفع الراية لتلك الانقلابات، وتسخر كل ما تسخره لشئونها الخاصة من مال وإعلام وسلطة، وشرعية، وهموم في سبيل الانتصارات الحقيقية لتلك الانقلابات التي لا أدعو إليها فقط، بل ويتمناها الشعب العربي ويرى فيها آخر أطواق النجاة للأمة العربية، وإن كانت كلمة انقلاب تعتبر كلمة مستفزة، وخطيرة لكن من أهم معانيها،وأبرز مدلولاتها هو التغيير والتجديد للوجه السيئ من الثوب والأثاث وغيره إلي الوجه الآخر الذي يكون أكثر جمالاً وأزهى بهاءً .

الانقلاب الأول والأهم: 

انقلاب على ثقافة الفكر الاجتماعي التقليدي الجامد الذي يعتقد بعض الناس بأنه جزء من العقيدة أو جاءت به الشرائع السماوية، وأعني بالفكر الاجتماعي إيثار المجتمع على الفرد، وإعلاء شعار الإيثار على الأثرة.

أعني الثورة على الأنانية الذاتية، والخمول الذهني، ورفض القبول بالواقع الاجتماعي المحزن، الذي تسبب في كثرة كاثرة من المهرجين، والخطباء، والفلاسفة، الذين يأنفون أن يرموا بمنديل من الورق في أيديهم إلى سلة المهملات المجاورة لأقدامهم لأنهم خلقوا للأمور الهامة فقط ! !

والذين ينفقون مائة ألف دولار لشراء إحدى الفازات الفخارية القديمة ليزينوا بها مداخل غرفة الطعام، والممرات إلى التواليت، ويأنفون أن يسقوا وردة ذبلت بفضل ماء من زجاجة في أيديهم، لأنها في الممر العام للعمارة المشتركة.

والذين يتصدقون على المجتمع بالسماح له مرة في رمضان أن يتقدم ليقبل أيديهم، ويدعو لهم بدوام المجد وطول العمر.

الثورة على إهدار الأوقات في كل مالا يخدم المجتمع أو يدفع عنه شيئا من البلاء. التحول في الفكر الثقافي إلى أن يفهم المجتمع أن الذي يحمل في يده المكنسة ليرفع التراب والقاذورات من الشارع العام أفضل من الذي أكل الفاكهة ورمى بمخلفاتها إلى الشارع.

هذه الثورة في ثقافة المجتمع لو تحققت لوجدنا أنفسنا تلقائيا مجتمعا حديثا وراقيًا يحترمه الآخرون حق الاحترام، إن ثقافة اللامبالاة، والأثرة للنفس على المجتمع هي المسئول الأول عن التخلف الاجتماعي في المدن والأرياف، إن الذين يفكرون ليلاً ونهارًا في إيجاد حل للمشكلة الإسلامية في فلسطين، والمشكلة القومية العربية في القدس ويتمنون أن ينتصروا على إسرائيل، غير صادقين عمليَّا لأن يكونوا أهلاً للتقدم والرقي.

فإذا كانت عملية عبور الشارع العام مشياً في أي عاصمة عربية تساوي عملية مغامرة انتحارية لضآلة احتمال النجاة من الاصطدام بعيدة عن احتمال أي سائق يجرى بسرعة الصوت ولا يفكر في وجود مجتمع بكامله يمشى بسرعة النملة بين مسنٍّ، ومعاق، وطفل، وإذا كانت أبواق السيارات في أهم الشوارع الرئيسية في عواصمنا العربية تحجب أصوات الرياح والصواعق لا فرق بين ساعات الليل المتأخرة والصباح الباكرة، ولحظات الذروة فمتى إذن سنتمتع بشهادة حسن سير وسلوك اجتماعي يتطابق مع مقاييس الأمم الراقية ؟ ناهيك عن آلاف الحالات من الفوضى الاجتماعية في الحياة المدنية والريفية التي لا حصر لها ولا عدد. 

أما الانقلاب الثاني المطلوب فهو الانقلاب والثورة على الفكر الثقافي العربي المسئول عن كل الشروخ السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.

ولا أعني بالفكر الثقافي العربي ـ المذاهب الدينية أو المدارس النقدية ـ أو الرتابة التعليمية التقليدية، إنما أقصد صناعة الوعي العربي لدى الحاكم والمحكوم والعامة والخاصة بحدود الحقوق، وحدود الواجبات وتأصيل مفاهيم الأمان والسلامة لكافة أفراد الأمة، يستوي الحاكم والمحكوم، والذكر والأنثى حتى إذ ما خرج أيُّ خارج من المجتمع كائنا من كان فلن يجد من ينصره أو يقول له أنت على حق، وأضرب لذلك مثلاً حيَّا من واقع الأمم الأخرى الأمم التي من حولنا وسبقت إلى مضمار الحياة المستقرة فمثلاً:

لو افترض أحد بأن الرئيس الأمريكي أو البريطاني رفض أن يغادر القصر مقر الحكم بعد نهاية فترة رئاسته، وحفر الخنادق حول القصر للدفاع عن وجوده فيه، أتراه سيستطيع الحصول على من يحميه ويقاتل دونه ويدافع عن وجوده داخل قصره رغم أنف القانون والدستور؟ لا أعتقد أن أحدًا يختلف معي بأنه لن يجد من يقول له أنت على حق، أو أن رأيك صحيح، فضلاً عن ألا يجد من يقاتل دونه أو يسفك دم أحدٍ لأجله.

وعلى نفس الحالة ينطبق مثل آخر افتراضياً إذا جاء المنافس للرئيس في الانتخابات أو قائد القوات أو الجيوش وطوق القصر وادعى الحكم وأذاع في الشعب بأنه يرى مصلحتهم في ذلك، أتراه سيجد من يصدقه أو يؤيده أو يقاتل دونه؟ وقد لا يختلف معي أحد على أنَّ ذلك سيقابل بالرفض، ولن يتمكن من شيء، بينما في دولنا الإسلامية والعربية لو حدث النموذج الأول أو الثاني فسيكون مقبولاً، وقد يحظى بالتأييد من الأكثرية، خاصة من رفقاء السلاح الذين يقدرون على ردع القانون، ومعاقبة الدستور، وبالتالي الذين يقفون من ورائهما، ومن المسئول عن ما يُرفض هناك، وعما يُقبل هنا، إنه الفكر الثقافي العربي الذي تذبذب في حياة الأمة إلى التكفف والارتزاق، والتنظير للباطل والتشويه للحق. 

وبالتالي فمن الواجب على أمتنا العربية شعوبًا ودولاً قبل أن تفكر في صياغة القوانين والدساتير، يجب أن تعمل على إيجاد ثورة ثقافية تعيد الوعي الجماعي قبل الفردي، وتخلق القناعة بضرورة الحفاظ على صمامات الأمان سليمة ويحترمها الجميع، هناك فقط سوف نكون أمة مسئولة مسئولية جماعية، الشعب قبل الدولة والمحكوم قبل الحاكم .

أما الانقلاب الثالث والأهم: 

فالثورة على الفكر السياسي العربي الذي يحافظ على مزيد من التشرذم والشعوبية الضيقة والحصار السياسي للدولة، وكلما سمعت صوتا ينادي بإصلاح الوضع العربي من قبل أيَّ دولة عربية أستوثبُ الأمل، وأتشوقُ إلى معرفة مضمون الدعوة، لعلي أجد فيها شيئًا ينعكس على حياة الأمة بالرفاهية والسعادة، كأن تُلغى تأشيرات الدخول ويسمح بحرية التنقل، والتزاوج، والتجارة، والزراعة والصناعة، والتعليم، وتوحيد وثائق السفر حتى باللون الخارجي لجواز السفر.

ولكن الذي يحدث هو فقط تكرار لفظي، ووعود مكررة بأمور لم تتحقق من قبل ولن تتحقق من بعد، ليس فيها شيء مما يتمناه المواطن العادي، وإنما باستمرار تتميز بالحزم، والتعاون الأمني، واتفاقيات تبادل المطلوبين، وكأن الأصل في المواطن العربي أن تكون الغالبية العظمى على تلك القوائم السوداء، وما لم تحدث الانقلابات الثلاثة بتعاون بين الحاكم والمحكوم في الشعب العربي،فلن تكون هناك أية حماية للمحكوم ولا للحاكم، فكل منهما يظل مهددا من الآخر، ومدينا لدى الأمم باعتباره من مجتمع همجي لا تسوده القيم الحضارية، ولا يصلح أن يرقى إلى درجة المقارنة في عيون الغرب مع الكيان الإسرائيلي المتربص بالمرصاد. وكل عام وأنتم بخير.

الدكتور عبد الولي الشميري