الإثنين“ 18 مارس 2019 - 07:19 م - جرينتش

الشميري لمجلة " المنار" : عبقرية القيادة تكمن في الجمع بين الحكم والحب


مجلة المنار [العدد 85] حاوره: ياسر محمد غريب

 

في الوقت الذي يشكو العالم الإسلامي فيه من المشكلات المعضلة التي تسببت فيها (أزمة القيادة) وعلى رأسها توقف عجلة التنمية في المنطقة يدلي العلماء والمفكرون والمؤرخون بآرائهم في محاولة لتوصيف الأزمة ومن ثم علاجها. لكن هذه الآراء والاقتراحات تبقى ناقصة ما لم يتدخل رجال السياسة المخلصين في معاونتهم لتجاوز الأزمة والنهوض بالأمة، وهذا الأمر دفعنا إلى لقاء واحد من أولئك الرجال المتميزين الذين تقلدوا عددًا من المناصب القيادية في الحياة العسكرية والمدنية والسياسية على حد سواء، وهو معالي السفير الدكتور عبد الولي الشميري (المندوب الدائم لليمن لدى جامعة الدول العربية)، حيث عبر لنا عن رأيه في الأزمة وسبل الخروج منها.

والدكتور عبد الولي الشميري طراز نادر من المفكرين الناشطين، فهو إلى جانب عمله الدبلوماسي، كاتب وشاعر وناقد، وهو صاحب المشروع العملاق لجمع أعلام العرب ومثقفيه، ومؤسس منتدى المثقف العربي في القاهرة، ومؤسسة الإبداع للثقافة والفنون والآداب في صنعاء، ومنشيء مجلة المثقف العربي القاهرية ورئيس تحريرها، وقد تنقل الشميري بين عدد من المناصب الحكومية ومجالس الشورى والنواب المنتخبة ومحافظ لمحافظة إب، وصولا إلى السفارة والثقافة، وفي الوقت ذاته يزخر تاريخه العلمي بدبلوم في العلوم العسكرية وآخر في الإدارة المحلية، وماجستير في الأدب المقارن ودكتوراه في الأدب العربي.

 

فإلى الحوار:

سعادة السفير.. باعتباركم أصحاب تجربة في العمل القيادي سواء في الحياة العسكرية أو المدنية.. ما هو مفهوم القيادة لديكم؟ وكيف تنظرون إليها من حيث التشريف والتكليف؟

القيادة في نظري نوعان: قيادة يفرضها الإنسان على نفسه، وهي أن يخط الإنسان لنفسه خطا في مناهج الحياة، وأن يبني له عملا من نقطة الصفر، ثم تتصاعد معه المسئوليات والتبعات حتى يصير هذا الإنسان هو قائد هذا العمل.

وصاحب هذا النوع يمكن أن نسميه القائد أو المؤسس، وهو دائمًا ما يرعاه ويعصر من أجله مهجته، وهذا هو التشريف؛ خاصة إذا كان هذا المشروع له مردود إيجابي في حياة الأمة والمجتمع. أما القيادة الانتقائية التي تأتي عن طريق القرار الحاكم؛ فإنها غالبًا ما تكون تشريفًا من أصحاب القرار، ولكن يجب أن يكون شعور من يصدر له القرار بالتعيين أنه تكليف وتشريف في نفس الوقت، وإن كنت لا أرى شرفًا في قيادة يكلفني بها آخر ثم إذا أبدعت وأنجزت وأصبحت ناجحًا فيما قدمت له حاول أن يواريني عن الأنظار.

وخلاصة الأمر: عندما يشعر الإنسان بأنه خادم لمن يقود هنا يكون التكليف بالقيادة تشريفًا له، وهنا يصل إلى أعلى مراتب النجاح، وعندما يحس أنه سيد على من يقود تتحول القيادة تتحول القيادة إلى كارثة في حياته وبعد موته، وتخدش صورة الأسوة والقدوة؛ من أجل هذا كان قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "أيها الناس أني أمرت عليكم ولست بخيركم"، ومن أجل هذا يجب أن يشعر كل قائد بأنه ليس أفضل ممن يقود، وكلما كان هذا المفهوم قائمًا؛ تكون القيادة ناجحة ومثمرة في الدنيا والآخرة.

 

إلى أي مدى يمكن توصيف الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية على أنها أزمة قيادة؟

في الحقيقة؛ إن الأزمة خانقة جدًا في الأمة الإسلامية على الصعيد القيادي لماذا!؟! لأن الأمة الإسلامية اليوم يقودها الأقوياء عسكريًا واقتصاديًا، ولا يقودها الأقوياء علميًا، ولا الأقوياء تقوى، ولا الأقوياء مراقبة، ولا الأقوياء حرصًا على المجتمع. فقط يبقى الأقوياء في عالمنا هم الأقوياء عسكريًا واقتصاديًا... في ظل حاجة المجتمع إلى لقمة العيش، وفي ظل حاجة المجتمع إلى الأمن وعدم الصدام، وفي ظل حاجة المجتمع إلى القوة، وفي ظل حاجة المجتمع إلى ألا تفتح جراحات أخرى في جسد الأمة الإسلامية. من أجل هذا يتبوأ القيادة والصدارة الأقوياء والمغامرون سواء أكانوا على درجة من التأهيل القيادي أو لا!!

 

- ترى – هل تنحصر مشكلة القيادة في العالم الثالث على وجه العموم وفي العالم الإسلامي على وجه الخصوص في الجانب السياسي أم أنها تشمل الواقع الإداري ككل؟

إن القيادة هي التي تصنع القرار، أما الإدارة فهي التي تنفذ هذا القرار، والعمل الإداري عمل وظيفي؛ فإما أن تكون الدولة دولة مؤسسات فيتدرج الإنسان فيها وظيفيًا أو أن تكون الدولة دولة شخصيات ومحسوبيات فيجد الإنسان نفسه في مقر قيادي أو على كرسي إداري بناء على ثقة يمنحه إياها صاحب القرار الذي هو أعلى منه، وقد يكون ذلك عن طريق امتياز أو رشوة أو جاه أو مصلحة... إلخ. والقيادات التي تصنع القرار قيادات مغامرة وجدت نفسها في هذا المكان؛ لمساعدة الظروف لها وإما أنها غامرت في وقت تقاعس فيه الآخرون عن ارتقاء صهوة حصان المغامرات. ومن أجل هذا عندما وصل المغامرون إلى القيادات استطاعوا أن يحموا أنفسهم وأعوانهم بنفس الروح المغامراتية، وهذه الروح أحيانًا تخطئ الحسابات، فتغامر وتنتكس وتفشل في مشروعها.

ولصهوة جواد القيادة لذة جعلت هؤلاء المغامرين يضحون من أجل هذه اللذة والمتعة بطيب النوم والأمان الشخصي والأمان الاجتماعي، وجعلتهم في سجون متنقلة سواء كانوا في الشارع أو في القصر أو في الطائرة أو في السيارة، أنهم مسجونون؛ لكن السجين العادي يحرسه سجان أو خمسة أو عشرة، لكن القيادات في سجن يحرسه الآلاف بل عشرات الآلاف، وإن تنقل السجن مع سجانيه دائمًا يبقى سجنًا لا يستطيع الخروج منه، وأنا أعتقد أنه من البلاء على الإنسان ألا يؤمن بقيمة الحرية، وهؤلاء المغامرون أضاعوا من أجل لذة القيادة والتسلط قيمة ولذة الحرية.

 

- في نظركم – هل ترون القيادة موهبة فطرية أم أنها مكتسبة، وبتعبير آخر: هل تعتبر القيادة علم أم فن؟

أريد أن أؤكد بأن القيادة في نظري لها جوانب نفسية فطرية، وأعني بالقيادة الفطرية أن يكون الله قد أعطى لبعض خلقه مواهب تجعله قادرًا على أن يستخدم هذه المواهب في شئون القيادة. وليس كل إنسان يجد نفسه في موقع القيادة يصلح أن يكون قائدًا... وبعض القادة يحرص على أن يكون ابنه قائدًا ولكن ملكاته وأخلاقه وسلوكياته ونفسيته لا تتناسب تمامًا مع صفات القائد؛ وبالتالي إما أن يخلع أو يخلع الحكم عنه. فقضية القيادة ليست بالوراثة وليست بالقرار وإنما تأتي أولا عن طريق مواهب فطرية يهبها الله للإنسان، هذه المواهب يجب أن تساعد أولا للوصول للقيادة ثم لتحمل أعباء ومسئولية قراره كقائد، حيث يكون القرار مفيدًا فلا ينزلق بمن يقودهم إلى الهاوية.

وأسمح لي أن أضرب لكم مثلا: لدينا تابعي، مجاهد، مقاتل، مخلص، هذا الرجل كان شديد الغيرة على الإسلام حريصًا على الفتوحات، لكنه كان لا يمتلك مواهب القائد، فتسبب في إغراق أربعة آلاف من الطليعة من قادة الفتح وحفظه القرآن وصحابة الرسول (ص) وسبب هزيمة نكراء في تاريخ الفتوحات الإسلامية، وهي معركة (الجسر) مع الفرس، فكانت هذه الهزيمة تساوي أكثر من هزيمة دولة المحور في الحرب العالمية في حينذاك؛ لأن أربعة ألاف صحابي ومقاتل يغرقون في النهر ويقتلون كانت تساوي أن تنهار دولة الخلافة، ثم يأتي بعد ذلك رجل فارسٌ، لم يكن على مقربة من دار الرسالة، ولم يزر عاصمة الخلافة، لكنه كان مؤهلا فطريًا؛ فيرفع الراية، ويضمد الجراح، ويلملم الشتات، ويحافظ على ما تبقى من فلول الجيش المكروب، ويحافظ على الموقف، وعلى الأرض التي تم الاستيلاء عليها، حتى يأتي القرار من القائد الأعلى في المدينة المنورة أن يحل فلان محل فلان... لقد كان أبو عبيد الثقفي رجلا فاضلا مجاهدًا ومحاربًا جسورًا، لكنه تسبب في هزيمة نكراء. لقد كان مؤهلا أن يكون جنديًا، أما أن يكون قائدًا... فلا!!

وجاء المثنى بن حارثة وهو رجل من بني شيبان، وهو أبعد ما يكون عن دار الخلافة وعن الخليفة، ململم الشتات وضمد الجراح؛ لأنه مؤهل أن يكون قائدًا حتى وصل إليه سعد بن أبي وقاص المكلف من الخليفة ليستلم فلول الجيش ويأتي بحملة مدد وسند، ثم فتح الله بلاد فارس بأكملها.

وهذا عمر بن عبد العزيز لم يكن فيه شيء في نشأته وشبابه من ملامح القيادة؛ لكن عندما بلغ مرحلة النضج وآلت إليه الأمور، بدت المواهب القيادية وبرزت، وأصبح الرجل – كما يعد – خليفة خامسًا من خلفاء الرسول (ص) الراشدين؛ لأن فيه مواهب فطرية مؤهل بها، وكان من أبرز ما تميز به عمر بن عبد العزيز عن أسلافه إضافة إلى مواهبه القيادية أنه استطاع أن يجمع بين الحكم والحب حتى مع خصوم البيت الأموي من العباسيين ومن الطالبيين، واستطاع أن يجمع حب الشيعة والسنة وكل الطوائف الأخرى.

ونعود للواقع المر الذي تعيش فيه أمتنا وهو أن أكبر مصيبة أننا نسلم القيادات لمن نثق فيهم ونحبهم ونعتقد أنهم أكثر ولاء للقائد الأعلى، ولا نتساءل هل يصلحون لهذه المهمة؟ هل سيكون لهم مردود طيب؟ أو إنتاج أحسن من غيرهم؟ ومن هنا تأتي الثمرة ضعيفة وفاشلة لأن مقومات اختيار القائد غير مقومات اختيار الإداري، لقد اختلت هذه المقومات واختلت هذه المفاهيم فأصبحت هذه الأنظمة ترتكز على أخطاء فاضحة تتحملها الأمة ويتحملها النظام وما يحدث في الأقطار الإسلامية خير دليل.

 

هل ترى أن من عيوب الإدارة والقيادة أن يحتكرها علماء الشريعة، وهم لا يمتلكون كفاءة القيادة السياسية؟

أريد أن أقول: إن العلماء لهم مواهب علمية وتعبدية وليست مواهب قيادية، والمواهب القيادية قد توجد في بعضهم كغيرهم من الناس؛ قد تجد من كل مائة واحد، ومن كل عشرة واحد، ومن كل ألف واحد، وليس لكل رجال الدين صلاحية لمثل هذا، ولنا في أفغانستان تجربة تثبت ذلك إذ أن قتلى شعب أفغانستان على يد فصائل العلماء والقادة المجاهدين أكثر من قتلى الأفغان على يد الروس والاتحاد السوفيتي؛ وذلك بسبب القرارات القيادية الخاطئة؛ لأن كل منهم يرى أن قراره معصوم، وأن فكره محكم، وكلهم كانوا مجانين لأسلوب القائد الحكيم. فقبل حكم طالبان كانت هناك خمس فصائل من المجاهدين، ثم صاروا سبع، ثم صاروا تسع، وبعد انسحاب الاتحاد السوفيتي قاموا بمجازر كبيرة جدًا، حيث وصل عدد الضحايا إلى أكثر من مائة ألف قتيل من الشعب الأفغاني، وهم جميعًا يقيمون الصلاة ولهم مؤلفات في الدين والفقه والعبادات؛ فهم علماء قواعد وفقه، وليسوا علماء قيادة ولا علماء في فقه الواقع. وبدأ العالم ينظر إليهم على أنهم عصابات تتناحر باسم الإسلام، حتى من يتولى إمارة يذبح غيره من المسلمين، ويكون كما قال الشاعر:

قد بلينا بأمير ذكر الله وسبح ***** وهو كالجزار فينا يذكر الله ويذبح

وأوربا كانت تعيش في نفس ما نعيشه حتى الآن في فترة العصور الوسطى، كانت تعيش في خضم المغامرات، والتنافس على القيادة، كما خاضت فرنسا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، حروب شديدة جدًا كان من أهم أسبابها أن الحكام لم تكن لديهم المواهب القيادية.

 

كيف يمكن لعلوم الإدارة والقيادة أن تغير واقعنا الإسلامي الحالي؟

إن دراسة علوم القيادة أمر لابد منه، وهي علوم تستمد هيكلها من من دراسة حياة القادة؛ ومن خلال تحليل هذه الدراسات سنملك منهجًا لتربية القادة. فإذا أتينا بمنهج تربية القادة في الصين أو في أمريكا، ونظرنا كيف يربونهم؟ وكيف يعلمونهم؟ وبأي منهج؟ وعلى أي كتاب؟ لوجدنا أنفسنا لا ربينا قادة ولا احتفظنا بتراثنا التاريخي. إن علينا أن نبدأ بدراسة جوانب القيادة في شخصية القائد الأعظم محمد (ص) ثم نأتي إلى الخلفاء الراشدين، وندرس الجانب القيادي في حياتهم، ولا أريد أن أحصر الجانب القيادي في قضية المعركة العسكرية، أيضًا هناك الجانب الإداري، وجانب سياسة الأمور، والتوقف عند رأي الجماعة، ومراجعة اجتهاد الأمس إذ أنه ليس آيات مقدسة وليس نصوص قطعية وليس آيات محكمة وإذا تأملنا ما قاله أبو بكر الصديق في بعض أحكامه لوجدنا أنه راجع نفسه، ورأى رأيا خلاف ما رآه في الأمس، وهناك أمثلة كثيرة ومشهورة في مسألة المراجعة والعودة عن اجتهاد سابق.

والإسلام ليس مرتبطًا بمكان أو زمان فهو عالمي مكانًا وزمانًا، ونحن في حاجة إلى نظرية جديدة في القيادة السياسية، من حيث المؤهلات والمتطلبات والأهداف والمقاصد العليا. فمن أجل هذا أريد أن أقول إن شخصية القائد يجب أن تكون ممنهجة.

 

نعيش أزمة القيادة بالرغم من غنى تجربتنا وتراثنا الفكري حول مفهوم القيادة ما هو السبب برأيك؟

لقد تم الفصل بين جانب القيم وجانب القيادة، ولابد من عودة الامتزاج بين القيم والأخلاق الكريمة وبين صفات القائد والأخلاق الكريمة. ما أكثر ما أجلس مع شخص عالم واعٍ يفهم الآيات والأحاديث ويستنبط الأحكام ويحدد بوصف دقيق صفات القائد، وما هي متطلبات العصر؟ وما يجب أن يكون عليه الناس، فإذا ولي أمرًا قياديًا صغيرًا أو كبيرًا تحول إلى ديكتاتور أشد من أي دكتاتور آخر، وذهب يحول كل المفاهيم التي قالها حتى تصبح ثوبًا مفصلا على جسمه وله فقط، وبعض علماء الإسلام في التيارات الإسلامية يرون أن توريث الحكم أمر مرفوض، أعرف مثلا في إحدى الحركات الإسلامية في أحد الأقطار؛ لي صديق قال لي: "إنه منذ أربعين عامًا لنا شخص واحد نجدد له ويجدد لنا". أربعين عامًا في هذا العصر؟! وفي بعض الحركات الإسلامية الدعوية التي تطالب بتطبيق الإسلام يكون زعيم التنظيم له عشرين سنة؟! وثلاثين سنة؟! لا يسأل نفسه لماذا أنا هنا؟! ويطالب بإسقاط هذا الحاكم السياسي الذي يمتلك الجيوش؟! ولو وقفنا أمامه لسالت الدماء أنهارا!! وهو لا يتوارى ولا يعود إلى داره، ليترك المجال للآخرين، فهو متمسك بقيادة وهمية لا تملك سلطانًا ولا مالا ولا قرارًا إنما مجرد زعامة روحية.

إن هذه النماذج السيئة هي التي تحجب الزاد الثقافي والمعرفي، الموجود في مناهجنا وكتبنا، لا بأس أن نستفيد من تجارب الآخرين في الجانب الديمقراطي وفي تناوب السلطة، وحتى من الشعراء مثل حافظ إبراهيم حين قال:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ***** رغم الخلاف، ورأي الفرد يشقيها

 

إذا – في رأيك – أزمة القيادة لا ترتبط فقط برأس التنظيم أو لقائد الأعلى، لكنها ترتبط أيضًا بالأفراد والشعوب، فهل الشعوب مسئولة عن أزمة القيادة؟

نعم الشعوب مسئولة؛ ولكنها مغلوبة على أمرها. ففي المذهب الشافعي اعتقاد يقول: "اسمع وأطع وإن أخذ مالك وجلد ظهرك"، بينما نجد الأمر نفسه في المذهب الزيدي على النقيض تمامًا؛ فالخروج على الحاكم الظالم ذمة لله على خلقه. وعند الزيدية إذا اكتملت لك شروط الإمامة ولك ثلاث مائة وثلاث عشرة من الأتباع يجوز لك أن يبايعوك إمامًا. وأن تخرج عن طاعة ولي الأمر؛ لأن هذا عدد محاربي بدر.. إننا في أمس الحاجة إلى فكر جديد لا يخنع كهذا ولا يشتط كذاك.

إننا نحتاج إلى فكر جديد يدعو إلى أن يأكل الناس ويشبعون من غير الحاكم، وينالون وظائفهم من غير وساطة، وأن يتعلم الجيش أنه ليس سيفًا مسلطًا على الشعوب، وأن يحايد تمامًا وأن يعرف أن مهمته هي قمع جيش العدو، لا قمع الشعوب.

الرئيس بوش هذا الرجل الذي صنع ما صنع لو انتهت فترة رئاسته وقال: لن أخرج من البيت الأبيض، وأتمسك بحقي في الرئاسة، ثم أصدر تعليمات للجيش بأن يتمركز حول البيت الأبيض، هل سينفذ الجيش أمره وهو يعلم أن مدة صلاحيته انتهت؟! إنه كجرعة من الدواء؛ إذا انتهت صلاحيتها يأبى أي شخص أن يستخدمها. إن القضية لا يسمحان أزمة ثقافية ووعي؛ لذا فإن الأمر يحتاج إلى تربية الشعوب تربية نفسية. ونحن في أمس الحاجة إلى هذا الوعي، فالقائد لو وجد الجيش والدولة بأي أمر ضد مصلحة الأمة أو ضد الشعب سوف يحكم حكمًا عادلا ويراعي مصالح الشعب ويلتزم، لكنه يدرك أنه (استخف قومه فأطاعوه).

 

أخيرًا... ما هي اقتراحاتكم لعلاج هذا الخلل القيادي؟

أنصح أولا بأن يعود القادة إلى الله، وأن يذكروا يوم الرحيل عن هذه الدار في حال ضعف، وفي حال فقر، وفي حال هرب، وأوصيهم بالزهد في السلطة، وأن يحرصوا على الجمع بين الحكم والحب، بدلا من أن يحرصوا على الحكم فقط، وبداية الطريق يأتي مع التخلص من البطانات السيئة التي تصور لهم أن الشعب من حولهم يتعشقهم، ويرقص من الفرحة بهم، فهو عاشق لهم مغرم بهم. وعليهم أن يعلموا أن ما يصلهم كذب وافتراء، وأن من حولهم يوصل إليهم ما يحبون أن يسمعوه وليس ما يحب الشعب أن يُسمِعه إياه، وأن الاعتماد على جلساء من بطانات ضعيفة ونفعية هي سر الداء، وهي التي لا توصل إليهم إلا ما يحبون وتمنعهم من أن يسمعوا أي شيء ينفعهم، فتظل من حولهم تبين لهم القبيح حسنًا والحسن قبيحًا، فعليهم اختيار البطانة التي قد لا تكون محبوبة عندهم ولا تواكب أمزجتهم، ولكنها تكون حريصة على أن يحكم الشعب بالحق.

أضف تعليق