الأربعاء“ 20 مارس 2019 - 03:09 م - جرينتش

جريدة الجمهورية تحاور الدكتور الشميري


الجمهورية - 7/8/2006م
- سيرة غزلية .. جمـال الصبايا يستفز وقاره وفي قلبه متسع لزوجة رابعة .. 
- السفير عبدالولي الشميري : آخر قصيدة قبل يوم القيامة ستكون في المرأة والشعر الجميل ولد في أحضان النساء!!
- القصيدة الغزلية لم تطأ أكنافها في اليمن وفي مصر
- شاعر الغزل هو الواقعي وماعداه شاعرٌ خيالي
- غرام الصوفية الرباني وغزلهم الروحي كان نافذتي لغرام وعشق الأنثى
- أولادي يفتخرون بغزلياتي وبناتي يصمتن أما زوجاتي فكل واحدة منهن تعتبر غزلي في ضرتها!
- حذفت رد الفتاة في قصيدة «رحيق الثغر» لأن المجتمع اليمني لايطيق الرد ولو نشرته الآن سيضعونني على مشنق الاتهام، لكن بعد عشر سنوات سأنشر كل قصائدي الغزلي دون حذف أو الغاء.
- الغزل لهو ومع الجميلات يحلو الجد والهزل
- القصيدة الغزلي لم تطأ أكنافها في اليمن وفي مصر شاعر الغزل هو الواقعي وماعداه شاعرٌ خيالي
- في قاعة دبلوماسية كلها زجاج و«أقمار» وموسيقى وعشاء اكتشفتُ إثارة قصيدتي «رحيق الثغر».
- أسماء حقيقية لفتيات في بعض قصائدي الغزلية «المخفية» وكل قصيدة تعيدني لمشهد أو لأنثى.
- حاوره : عبدالرحمن الحميدي 

ليس للشعر في حياة الدبلوماسي الدكتور/ عبدالولي الشميري مذاق وجاذبية وانسياب دون حضور الأنثى بإغرائها وفتنتها وعبقها، فهي الباعث الرئيسي لميلاد قصيدته مكتملة حارة، متدفقة بالأبهى والأحلى.. في هذا اللقاء يفتح الدكتور عبدالولي الشميري سفير اليمن بمصر ومندوبها في الجامعة العربية سيرته الغزلية يفصح فيها بشفافية مطلقة عن خفايا وأسرار حياته العاطفية وأسرار عشقه وغرامياته المبثوثة بين اليمن ومصر.. كاشفاً السر عن قصيدته الملتهبة «رحيق الثغر في شفتيك سكر» التي أثارت سجالاً نارياً بين صنعاء والقاهرة بين مستنكر ومؤيد.. وبهذه السيرة الغزلية يعتبر الدكتور الشميري أول يمني شاعراً دبلوماسياً يكشف للقراء عن غزلياته على مستوى الواقع والقصيدة بشفافية في جانب مازال يعتبر خاصاً ومبهماً ومحظوراً في مجتمعنا اليمني.
* ما استوقفني في تتبعي لكثير من قصائدك ومالمسته في قراءة لي نشرتها الثقافية عن ديوانك «أوتار» أن باديتك وعهد طفولتك شكلا ملامحك الشعرية وهيمنا على غزلياتك.. فما الذي يتذكره الدكتور عبدالولي الشميري عن عهد طفولته وصباه؟
- ينسى الدكتور عبدالولي كلي شيء مر به بالأمس، لكنه يذكر كل شيء مر به في عهد الطفولة حتى ألوان العصافير التي كانت تعابثنا، جبال القرية، راعي الابل وألوانها، ومازالت في عيني قداح الألبان تنتظر «الأباله» منظر المرعى، أصوات السحب، ألوان البرق، الرياح، حفيف الأشجار وفتيات الطفولة والصبا.هذه كلها مازلت أتذكرها هي في خلدي بألوانها وأصواتها ورعبها وسرورها.
* وماعن باديتك الحاضرة بقوة في شعرك؟
- باديتي كانت جافة قاحلة فيها جبال عالية، تكتنف القرية شمالهاوجنوبها، ممرات جبلية ضيقة ملتوية للسير على الأقدام، أما القرى فهي تجمعات سكنية صغيرة، مكونة من خمس بيوت أو ست، يتواصل الناس بأصواتهم العالية، وعبر أصداء الجبل يصل الأصوات إلى البيوت.
* وما الذي تبقى من هذه الذكريات، ما الخلاصة وأنت في هذا العمر الأربعيني؟
- الخلاصة هي قضية الحنين، الحنين للماضي رغم صعوبته ووعورته واستحالة العودة إلى تلك الحياة.. إلا أن ملامح هذه الحياة بارزة في شعري بصفة عامة، وفي غزلي أجدها محوراً وبؤرة لامتزاجي بالعوالم الجديدة.
* وهل شاركت في رعي الغنم؟
- شاركت برعي الغنم ليس لحاجة ما، كانت لدينا راعية للغنم ولكني أحب أن أستمع إلى صوت الرعاة في قمم الجبال وهم ينشدون قصائد الصوفية ومدائح الحجيج، أحب طراوة الأجواء ونسمات الصبا التي كانت تهب على الجبال، أصعد مع رعاة الماشية، أرعى معهم الغنم في الجبال.
في طفولة مبكرة كنت أسترق اللبن وأقلد أبناء الماعز وأمتص اللبن من ضرع الغنم مباشرة كما يصنع أبناؤها الصغار.. وكم ضربني أهلي عندما تعود الماشية في الليل وضروعها جافة من اللبن يعرفون أني شربتها في الجبل.
 

أنفاس هي أحلامي
* وهل هذه البيئة بيئة الطفولة والصبا بتنوعاتها.. قالت لك أنك شاعر غزل؟
- كان الشعر يستوقفني ، يلوي انتباهي، أحس أن له أريجاً وانفاساً هي أحلامي، أذني تنصاع للنص الشعري أكثر مما يشجيها المقطع النثري.. وعندما أحسست بامتزاج صوتي الشعري بأعماق باديتي بجبالها بمراعيها بفتياتها بطيرها بحفيف الأشجار واطلالة القمر.. تفتق غزلي.. وأدركت يومها أني شاعر غزلي.
* اضافة لهذه البيئة التي فتقتك على غزلها.. من هم الشعراء الذين أسقوك من نبع الحب والغرام في الصبا؟
- طبعاً كنا لانعرف من الشعر في الصبا سوى عمر بن الفارض وعبدالرحيم البرعي.. على ديواني هذين الشاعرين نشأنا لأن آباءنا وأعمامنا في القرى كانوا متصوفين، والشعر عندهم هو شعر الصوفة، وحب الرسول والتغني والتغزل بالكعبة المشرفة فأشعارهم كلها جنة وإلهاب مشاعر نحو الحب المقدس، نحو الكعبة، نحو الرسول، نحو الفضيلة.. ولايوجد في قاموس الصوفية أشذى ولا أرق من شعر عبدالرحيم البرعي وعمر بن الفارض.. وعبدالغني النابلسي لكن أشعاره التي وصلت إلينا قليلة.
* إذاً غرام الصوفية الرباني وغزلهم الروحي كان نافذتك لغرام الأنثى؟
- نعم، على هذه الأجواء الرحيقية العابقة وعلى أنغام الغناء الذاتي وكلمات الحب والغرام كانت تدخلني في مراحل التخيل اللاوعي لقضايا نفهمها منذ الصبا ومازلت أذكر لإبن الفارض.
قلبي يحدثني بأنك متلفي
روحي فداك عرفتِ أم لم تعرفي
فلو أن روحي بيدي
لمنحتها لبشر.. لم أنصفي
فابن الفارض فتح في أذهاننا غراماً مختلفاً.. وعبدالرحيم البرعي وهو يقول:-
خطرتْ كغصن البانة المتوُدِ
ورنتْ بناظرة الغزال الأغيدِ
جاذبتها طرف العتاب فأعرضت
عني، وقالت ما أراك بمسعدِي
فطمعت منها بالحديث وقلت
هل من شربة يا أهل هذا الموردٍ
مدتْ يداً من حينها وكأنها شمسٌ
على الآفاق، لم تتوقدِ
 

خشنة.. القصيدة في اليمن
* كثير من الشعراء يتلفون قصائد غزلهم في الصبا والمراهقات لعوامل كثيرة.. فهل مايزال الدكتور عبدالولي محتفظاً بها أم أتلفها؟
- لي من الغزل قصائد كثيرة هي من الماضي.. بعضها كانت أرق وأعمق وأجزل من الذي أنشره الآن.. كتبتها في أوقات مبكرة، لكن لم أحرص على نشرها خشية من التهم والشبهات خاصة في مجتمعنا اليمني، وخاصة في وضعي الذي كنت أعيشه، وبعض الناس في اليمن سريعو اطلاق الأحكام فيسبون ويطعنون والأصل عندهم أن الشاعر مدان حتى تثبت براءته، وكنت طبعاً في عمر الشباب والصبا موضع تهمة، فكنت أكتمها وأحاول اتلاف بعضها وإخفاء الأخريات.. ونسيت بعضاً وبقيت معي وماتزال نصوص كثيرة متدفقة بعاطفتها.
* وهل مازلت مداناً ومتهماً .. ألم تثبت براءتك حتى اليوم؟
- عندماتجاوزت سن الأربعين كبرت على الاتهامية وشعرت أن الشيخوخة سترسل خيوطها إليَّ، آمنت من المجتمع من شك الشاكين وخاصة أني حلقت في آفاق وعوالم جديدة، ووجدت أن ما أقوله في اليمن لايتجاوز حدود اليمن إذا بقيت محاصراً بتلك القيود.
* ألم تجد موطئاً لغزلك في اليمن حتى اليوم؟
- القصيدة في اليمن مازالت خشنة لم تطأ القصيدة الغزلية أكنافها في بلدنا، لايمنحون الشاعر حق التحليق والخيال، ولايمنحونه حتى مامنحه الله بأن له الحق أن يهيم في كل وادٍ، وأنه يقول ما لايفعل.
 

في مصر.. الغزل الأصل
* منذ عهد بعيد وأنت مستقر في مصر.. ولاشك أن أجواء القاهرة ستهب غزلياتك أفقاً مختلفاً فما الذي منحتك هذه الأجواء؟
- أجواء مصر كله غزلي، غير الغزل لاموطن له في مصر إنما تفرض الأجواء الأخرى فرضاً، مناخ مصر غزلي خصب جداً.. الشاعر الغزلي ينظر إليه الناس في مصر وفي المجتمع المصري بأنه شاعر واقعي وماعدا ذلك ينظرون إليه بأنه شاعر يعيش عالماً من الخيال.
* الغزل مهيمن على شعرك بقوة.. كيف استطاع أن يستفرد بك ويستقطب كل هذه المساحة؟
- أعترف أن الغزل مسيطر على شعري بقوة لأنه يأخذ بالألباب ويسلب القلوب، فإذا استطاع أن يجذب الناس يحولهم إلى الهدف الخشن الذي يريد طرقه سواء مدحاً أم هجاءً.. فينشد السامع حتى الذين ينكرونه في العلن.. فالغزل هو الأقرب إلى روح الانسان حتى الحبيب صلى الله عليه وسلم التفت لقصيدة الغزل وخلع بردته وقدمها للشاعر كعب بن زهير في مستهل قصيدته:
وماسعاد غداة البين إذ رحلوا
إلا أغن غضيض الطرف مكحولُ
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة
لايشتكي قصرٌ منها ولا طولُ
هذه هي الأنثى والتغزل بها في أقدس مكان في مسجد الرسول وأمام أعظم انسان هو الرسول الحبيب، وفي أفضل المجتمعات مجتمع الصحابة يخلع بردته ويهديها للشاعر.
 

اكتمال الجمال والذخيرة الأساسية
* الفتاة التي شاطرتك الغرام على ضفاف النيل لم تبلغ معها لذة الانتشاء واستعذاب الحب إلا عندما رأيتها «غزالاً» تجري في باديتك.. لماذا تصر على تشبيه المرأة بالغزال والرئم والظباء.. حتى في بيئة مصرية «نيلية» لاتعرف الغزلان والظباء؟
- سيظل الغزال والرئم والظباء الصورة الجميلة الحقيقية للفتاة الشابة الجميلة، هذه ألفاظ لاتبلى في الصحراء أو في الجبل أو في النيل.. ألفاظ من الرقة بمكان ولايستطيع الشاعر أن يخفي ذخيرته الأساسية، وهذه هي ذخيرتي.
* أنت عاشق دائماً حتى القصائد التي تنكر فيها الغرام وتحرق لثم الغزلان لكي تتفرغ للهم الوطني والقومي والاسلامي تأتي الأوطان بهيئة فتاة ساحرة مهتاجة عشقاً.. فعندما تحدثت عن الجزائر وصفتها بأنها امرأة سلبت غوايات النساء وتفانى العاشقون على هواها.. فما أساس هذه الصورة المكتملة؟
- الصورة المكتملة في ذهني هي الجمال.
* حتى الفتاة الاستشهادية لم تنح عليها بل وصفتها بالغادة التي تسلب الألباب، لماها عسليتان، وخدها فُلي، وبأنها عروس ترتدي فستاناً.. فما النكهة التي تشتمها في الأنثى؟
- الأنثى هي طليعة الجمال عند الرجل، لذلك خلقها الله في عالم البشر.. وفي عالم الكون ينحصر الجمال في الزهر والورد ولذلك تسيطر عليَّ في التشبيهات الزهر والورد إذا أردت تشبيهاً للمرأة فأنا أشبهها بالورد والزهور والضباء والغزلان.. فأنا عندما أمدح فدائية فأنا لا أنوح عليها وأصورها بالفارسة المغوارة بل أقول أنها عروسة الجنة، إذا كانت عروسة الدنيا تُحلى بالذهب والحُلي والأثواب.. فكيف بعروسة تزف إلى الجنة.
 

المولد
* قصائدك الغزلية خيال شاعر أم منبعها امرأة تراها العين فيهيم فيها الخيال.. هل غزلياتك ولدن في أحضان النساء؟
- من الصعب أن يُسأل الشاعر عن قصيدته الغزلية هل يسقطها اسقاطاً حقيقياً على أنثى أم خيال شاعر، ولكني أستطيع القول أن الشعر الجميل ولد في أحضان النساء ومجال القصيدة الرائعة العذبة هي المرأة والجمال وبالتالي نجد أن أول قصيدة ولدت في المرأة.
* وهل تبعث المرأة كل هذا الجمال في الشعر؟
- أعتقد أن آخر قصيدة قبل يوم القيامة ستكون في المرأة إذا كان قائلها الرجل، في مراحل تاريخية كانت قد نشأت قصيدة الكأس ولكنها انتهت في العصر العباسي.. لكن المرأة ظلت منذ ولادة القصيدة إلى أن يموت آخر شاعر هي محور الابداع الحقيقي للشاعر.. وستظل نماذج الشعر الأخرى من تهنئة وتعزية وغيرهما شعراً مناسباتياً.
أين الملف المغلق؟
* ألم يعمل العائق الاجتماعي والمكاني الذي يحول دون نشر بعض من غزلياتك الصريحة على حذف الأبيات الصريحة أو تحويرها؟
- أعترف لك ياعزيزي أني في قصائد كثيرة أقتلعها من مكانها، انتزعها انتزاعاً وارحلها إلى ملف مغلق، لأنها شديدة الوضوح وصارخة فأحاول اقتلاعها من وسط القصيدة لكي لاتطلق على أحكام ظالمة وأتعرض لألسنة حداد جائرة، أُراعي شخص عبدالولي الشميري في نظر قومه ومجتمعه فأقول هذه بيت قد لايطيق مجتمعي تحملها أو قبولها مني، فأعمل على اقتلاعها كما أقتلع جزءاً من قلبي وروحي وأرجيها إلى قصيدة لم تنشر وأنشر بقية القصيدة فتظهر القصيدة مقطوعة أحياناً وفيها فجوة.
* مثال لذلك؟
- قصيدة «رحيق الثغر» على سبيل المثال فيها أربعة أو خمسة أبيات لم تنشر حتى الآن ولن تنشر.. وكثير من النقاد الذين قرأوها أحس بذلك القطع.. عندما قلت:
أمد يدي إليكِ وأنتِ حمقى
ويغلب طبعك الخيلاء والشرْ
فإن لم نلتقي فلعل يوماً
يعود لأهله الغادي ويظفر
هنا كان للفتاة رد في الأبيات المحذوفة، لكن المجتمع لايطيق هذا الرد.
* وما رد الفتاة يادكتور؟
- لو قلته هنا الآن.. لكان الأولى نشره في القصيدة.
* و إلى متى ستظل قصائدك ناقصة ولانستطيع الاطلاع على المستور منها؟
- ستطلع على ماخفي ان شاء الله عندما أتقدم في العمر عشر سنوات إذا بقيت على الحياة أو رحلت عنها، لكنه سينشر.
* ما المعيار الذي نشر على ضوئه بعض من غزلياتك الصريحة؟
- لم أنشر من غزلياتي إلا الشيء اليسير الذي تسمح به الساحتان المصرية واليمنية.
سيقول المجتمع: من هي.. ما اسمها؟
* مانشرته من غزل أتعتقد أنك تجاوزت به الوضع الاجتماعي اليمني؟
- الوضع الاجتماعي والمكاني أيضاً، أنا لو أتيت إلى صنعاء هل سأقول:
أأذوق من شفتيك ياحلمي عسل
كم بتُ مشتاقاً لثغركِ والقبلْ
سأموت من ظمأ إذا لم ترحمي
قلباً تحطم في هواكِ وماوصلْ
سيبادر المجتمع في اسقاط هذا النص على فلان وعلى فلانة وبالإسم وبالأسرة.. وسوف يحفرون في كل جدار حفرة، ليبحثون عن من هذه الحلم؟ من يقصد بها؟
وبالتالي سأظل على مشنقة الاتهام، لأنهم لاينظرون إلى جمال اللفظ ورقة المعنى وإلى انسياب الروح الشاعرية داخل هذا النص، ينظرون إلى التطبيق العملي، ينفذون أحكاماً ولايقرؤون نصوصاً.. لكن عندما عشت على ضفاف النيل وعاشرت الشعراء من كل الأقطار والمشارب رأيت المتغزلين ورأيت الشعر الذي يصل إلى مرحلة الاعتراف الصريح في قضايا لاينبغي للشاعر أن يورط نفسه بالاعتراف بها.. بعد ذلك أخرجت قصائد.. وكما قلت لك سلفاً أني ببلوغي سن الأربعين كبرت على الاتهامية وأمنت من الناس.
* ما الذي يمنع النشر مادام القصيدة قد تدفقت وأصبحت مدونة في أوراقك؟
- في بعض الأبيات المحذوفة هناك أسماء سميت فيها.. والاسم أحياناً مثار شبهة وتهمة وأحياناً يكون غير حقيقي ولكني أحياناً أضطر للحذف والالغاء وأرحل بيتاً من مكانها وأكتفي باختصار القصيدة حتى لا أجرح خاطري ومستقبلي.
* ما الداعي إلى استخدامك أسماء غير حقيقية؟
- هذا دليل أن الشعراء يهيمون في كل وادٍ.. يستحضرون الماضي في الحاضر والحاضر بالماضي، وإلا لما كانوا شعراء، الشاعرهو الذي لايحس بما لايُحس به الآخرون، ويرى مالايرونه ويعبر تعبيراً لايستطيع الآخر الاتيان به وإلا لما كان شاعراً!
 

غرفة عمليات للثغر

رحيق الثغر في شفتيك سكر
وفي عينيك والنظرات خنجر
فضميني إلى نهديك حتي
اهدئ شوق وجدان تسعر
فقالت: ماعلقت من الصبايا
ومازال الغرام عليك يظهر
تخادعني وعندك ألف حضن
وحولك ألف عاشقة وجؤذر
من البيض الكواعب كاللآلي
وكم خد كريح المسك أسمر
اتخدعني بدمعك والقوافي
وثغرك من صباغ الغيد اشقر
أشك وقد رأيتك ذات يوم
وخدك من دم القبلات أحمر
تشبهي كل أجسام الصبايا
فذا فل وذاك الخد مرمر
وهذا العطر في حذيك يلهو
ويجري في دمائك منه عنبر
هذه أبيات من قصيدتك «رحيق الثغر» قصيدة اثارت واشعلت عليك نارالاقاويل والردود الشعرية المستنكرة فكيف تأتي هذه القصيدة من رجل عسكري يجب أن يسمو فوق هذه المشاعر الغزلية الصريحة.. 
* فبماذا تعلل الحملة التي استهدفتك في قصيدتك هذه؟
ـ فجرت بركاناً من الغيض عند جمهور الشعراء في اليمن لأنهم اعتبروا أنها خروج غير متوقع لعبدالولي الشميري.. أن يقول هذا الشعر فردوا عليها بكثير من القصائد حتى أني احسست أنهم شكلوا غرفة عمليات لبعضها.
* تعمدت نشر ردود شعرية حولها في مجلة المثقف العربي هل وجدت ردوداً مشابهة من شعراء غير يمنيين؟
ـ فعلاً.. تعمدت أن انشر بعضها لكي تعكس الرأي الآخر عن قصائدي في اليمن.. لكن وجدت تأييداً شديداً جداً وصدى واسعاً في المشرق والمغرب مؤيدين هذا التوجه الشعري.
* وهل لهذه القصيدة تميز في داخلك دون غيرها؟
ـ قصائدي بنياتي.. لا فرق.
* هل تحس الآن أنها قصيدة متميزة عند الآخرين وعلى درجة عالية من الاثارة؟
ـ الحقيقة ماكنت أعلم أنها على هذه الدرجة من الأهمية، ،وما لفت نظري أني كنت في مدينة فاس بالمغرب في أحد المهرجانات التي اقامتها جامعة فاس.. وكان فيها شعراء عمالقة من ارجاء الوطن العربي وخارجه.
كان هناك مذيع في الاذاعة المغربية يقدم الشعراء في امسية شعرية كانت مرحة على ـ مأدبة عشاء فارهه وحاشدة، وكان المذيع لا علاقة له بالاطراب ـ ولا بأسلوب التقديم فطلب مني بعضهم أن أقدم شعر أحد الشعراء وهو الشاعر/ عبدالعزيز خوجة ـ سفير المملكة العربية السعودية يومها بالمغرب.. وهو شاعر متصوف وغزلي ـ فقال: لا أقول شعراً إلا إذا قدمني الدكتور عبدالولي.. والشاعر الآخر/ عبدالعزيز البابطين، فأتاني المذيع وقال لي «فلان وفلان يريدان أن يقولا شعراً شرط أن تقدمهما أنت فأحببت في التقديم أن اخرج من جو المناسباتية والمدح والوصف فهذا الجو لا يتناسب مع جو القاعة جوها كله زجاج واقمار وفيها موسيقى وفيها عشاء، وظلال مغربية اندلسية.
* يعني كان القاؤها دون ترتيب مسبق؟
ـ بعد جو مجهد من المداولات في الجامعة بدأت التقديم بقصيدتي رحيق الثغر.. على أساس أن اقدمها توطئه لكي أقدم الشعراء فكانت هي موضوع السمر، فإذا بالشعراء يطلبون مني اعادتها وتكرار إلقائها، فأحسست أن قصيدتي لافتة وجديدة، دغدغت عواطف الآخرين.أذكر أن في مأدبة العشاء توقفت اصوات السكاكين والملاعق وظلوا يستمعون بإنصات و «تصفيق» وما أن فرغت من القصيدة إذا بهم يقولون: أين القصيدة؟ أين الديوان؟ أين اشرطة التسجيل، الفيديو تهافتوا عليها، ووجدت نفسي من مقدم حفل إلى شاعر حفل!!هذا الموقف أثار عندي أن لي قصيدة تستحق النشر فعدت للقاهرة ونشرتها في مجلة المثقف العربي. 
 

ولكنهم تعودوا.. تعودوا
* تجاوزت بغزلياتك الوضع الاجتماعي والمكاني.. لكن هل تجاوزت بها الوضع الأسري كأب وزوج؟
ـ أولادي يعرفون في أبيهم صفات معينة تسمو به عن الصفات المنكرة والأخلاق الشائنة.
* هل تقرأ أمام أولادك وزوجاتك قصيدة كـ رحيق الثغر في شفتيك سكر؟
ـ أولادي يحفظونها وبعض زوجاتي يحفظنها وبعض بناتي يحفظنها، أولادي يقرؤونها على الملأ في الجامعات والمدارس يفتخرون أن هذه القصيدة لأبيهم.. ويحتفون بغزلياتي.. طبعاً بعض بناتي يملن للشعر الروحي ، الديني ،التصوفي ، المادح لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
* كبنات ما الردود التي تتلقاها منهن تجاه غزلياتك؟
ـ الصمت.. هن يسقطن قصائدي الغزلية على أمهاتهن وبالتالي فبيني وبينهن مودة.. ومع هذا فلهن تحفظات حتى ولو كان الشاعر أبوهن.
* والاولاد على من يسقطونهن؟
ـ لا أسألهم عمن يسقطونها، ولا أظنهم سيسقطونها على الآخريات على غير اماتهم.. لأنهم يدركون أنه لاتوجد في حياة أبيهم ساعة من نهار غير مشغول بها بأمور عمله والتزاماته.. يعرفون أباهم يعود مجهداً آخر الليل.
* ولكنها قصائد تفيض بألوان من الفتيات ومطارحه غرام وعشق لغير امهاتهم؟
ـ يعلمون أن هذا تصور لواقع اجتماعي قد لا يعيشه ابوهم ولكنه يصور حالات معينة داخل المجتمع.. وأنا لا اناقشهم فيما يفهمون. 
* ولكنها بالتأكيد تستثير غيرة زوجاتك وشكوكهن؟
ـ كل واحدة منهن تشك أن هذه القصيدة في ظرتها وتتمنى أن تكون فيها، وبمجرد أن تقرأ فيها عدة ابيات أو تسمع منها بعضاً سرعان ما تقرر أنها ليست المعنية بهذه القصيدة، ولا تخصها على الاطلاق، لكنهن تعودن على ذلك.
* كيف؟
ـ في قصائدي المنزلية وتصويري للمشاركات المنزلية في كثير من قصائد المناسبات والوجدان تحولت النصوص الشعرية إلى مداعبات ومرح داخل الأسرة.
 

أخفى غزلي على أبي
* أ وهل يطلع أبوك على كل هذه التنوعات الغزلية، إلا يعيب عليك ما تكتبه؟
ـ أبي، مازلت حتى الآن اخفي عنه قصائدي الغزلية، ولا أحب أن تصل إليه مجلة المثقف العربي «فترة صدورها» إذا فيها نص من نصوصي الغزلية.. لكن والدي يعرف عني الكثير ويقول لي لا تكتب حرفاً بقلمك لا يسرك في القيامة أن تراه.ومع ذلك فوالدي مع هذا كله إذا وقف على قصيدة من قصائدي الغزلية يسقطها على الكعبة أو يسقطها على حب النبي.. فهو متصوف يتبع الطريقة العلوية، فهو يحفظ قصائد غزلية يسقطها كعادة المتصوفة اسقاطاً روحياً في هذا الإطار. 
* رغم أنك شاعر غزلي، إلا أنك تعلن تطليق الغرام في قصائد لك، ومما لاحظته أثناء قراءتي لديوانك «أوتار» أن الغرام يأخذ شكلاً متسقاً ومنساباً في قصائد «الحنين للوطن» ففي اللحظة التي تشتاق فيها لوطنك تصل إلى قمة غرامك مع محبوبتك.. لماذا لاتطلق الغرام في قصائد الحنين؟
ـ حقاً أنت ناقد حصيف هذه الصورة أنت ادركتها تماماً في اعماقي الصورة الأولى اكتملت في الحياة الصبا، الظباء، المرعى، السهل، البادية هذه صورة مكتملة في داخلي، ارتويت بها منذ صغري فصارت قصيدة يتدفق منها الواقع على هيئته كما هو باكتمال ووئام، فتجد المتنافرات تتصالح في قصائد الحنين لوطني.. وتأخذ شكلاً واحداً ومساراً متعاضداً.
 

مقدس ومتشابهات
* هل سيأتي يوم تعلن فيه طلاقك للحنين مثلما تعلن احياناً طلاقك للغزل؟
ـ الحنين إلى وطني والتعلق بالمقدسات آيات محكمات في نفسي ولكن الغزل وحب المرأة من المتشابهات.. إن رضيت رضيت القصيدة معي، وأن غضبت غضبت القصيدة.. واحياناً أعلن التوبة عن الغزل وطالما المرأة عنصر حي أمامك تكايدك وتكايدها، تفاجئك وتفاجئها.. فتأتي القصيدة انعكاس للحياة العاطفية داخل اعماقي.. والحياة العاطفية متقلبة وليست مستقرة.فيتصالح الإنسان مع نفسه أو مع وجدانه أو مع قلبه فيحلق مرة اخرى في فضاء الغرام.. وأعود عاشقاً مدنفاً في حب الفاتنات. 
وقور ولكن الصبابة والصبا
وحسن الصبا تستقر وقاريا
أحرقت حب الفاتنات وعيشة
وذبحت في «يافا» غرام تغزلي
* ألا يوجد تناقض بين هاتين البيتين؟
ـ أنا احياناً في هذا الجانب اقول كما يقول المتنبي «وللغيد مني ساعة» كما أن الموقف يملي علي تداعي القصيدة، فإذا ماكنت في موقف امدح فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فإني اعتذر عن الغزل.
فأقول:.
«ماذا اقول وشعري كله غزل.. مكبل بالهوى شيطانه ثمل»
وأقول:.
أنا من أسارى الحب فيك وإنما
قالوا تثير غرامه حواء
ليت العواذل في هواك تقاسموا
حبي لقالوا: مانقول هراء
فبمثل هذه الأبيات أهيئ نفسي للخروج من اللهو.
* أتعتبر الغزل خارج اطار الجد يادكتور؟
ـ احياناً.
 لهو؟

ـ هو لهو.. ولكن مع الجميلات يحلو الجد والهزل .. ايضاً تميزني يا اصدقائي 
* «الغيد، النسيب، هيف، جؤدر، خدن، الخرد، الفراقد» نماذج من كلمات كثيراً مايوردها الدكتور عبدالولي في قصائده ألا ترى أن مكانها اللائق هو القاموس اللغوي وليس ديواناً شعرياً، الفاظ من الماضي.. ألا تحس أنها نافرة تستثير استغراب مستمعيك وقرائك؟
ـ يا أخي أنا إبن بيئة هذه الفاظها وخريج مدرسة فصيحة لكن عندما استوطنت مصر خالطت الشعراء ووجدت أنها صفة تميزني وهي التي جعلت كبار علماء اللغة ومحدثي الشعراء ينظرون لي نظرة صديق وأخ مبدع لأني مزجت الحديث والقديم.. فأحس أني اتمتع بحب وثقة المجتمع الثقافي المصري والعربي الذي يقف على قصائدي، ويطلب مشاركاتي.
* ما الذي يمنحها الاتساق في شعرك؟
ـ مقدمة وتوطئه الكلمة والتعقيب يجعلها صعبة أو سهلة.. نافرة أو متسقة.. كانت هناك كلمات خاصة بالفقهاء لاتستخدم في الشعر حتى جاء ذلك الشاعر الذي يقول:
رب ورقاء هتوف في الضحى
ذات شجو صدحت في فنن
فبكائى ربما أرقها
وبكاها ربما ارقني
فلقد تشكو فما أفهمها
ولقد اشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى اعرفها
وهي ايضاً بالجوى تعرفني
قالوا لو اقتلعت كلمة «ايضاً» من البيت الأخير واستبدلت بكلمة اخرى لا هتزت البيت، وهنا لايوجد اروع من كلمة ايضاً في هذا البيت.. فقال الشعراء كلمة ايضاً هي لنا وليست للفقهاء.. ولم تكن تستخدم كلمة ايضاً في قصائد الشعراء يومذاك.
* لاشك إذاً أن لهذا الجمال ذاكرة في بعض غزلياتك تعيدك إلى انثى معينة؟
ـ لكل قصيدة ذاكرة تعيدني إلى انثى أو المشهد يستفز خيالي، اكتب قصيدة الغزل فأحاول أن اتوقف فيها دون ارادة وأنا مكره.. لو تركت العنان للقلم لانساب فيها كثيراً. 
وهل سبب الالهام انثى معينه؟
ـ اعتذر أن اقول أن سبب الالهام لكل قصيدة انثى معينه.
* لماذا؟
ـ لأن الوقت مازال مبكراً بالنسبة لهذا.
* هل لايزال في قلب الدكتور عبدالولي الشميري متسع لامرأة رابعة؟
ـ حتى ولوكان في قلبي متسع فليس في داري متسع ولا في وقتي. 

العقيد
بعد أن فتح/ عبدالرحيم البرعي وابن الفارض قلبي ومشاعري على اجواء الرحيق الصوفي تحولت نحو مدرسة اخرى، هي مدرسة الحماسة بعد أن صعدت إلى تعز وتعرفت على المدينة، كانت «تعز» مجرد قرية صغيرة في أول الثورة، وكانت هناك مكتبة اصطاد منها بعض الكتب والصحف والمجلات.
ووقعت عيني على بعض كتب الحماسة.. كنت اقرأ في الحماسة للشعراء الذين جمعوا ديوان الحماسة، فتشكلت في نفسي الميولات الحربية والفروسية، واحسست بأن بي رغبة لأن أعيش اجواء التصوف والحب الالهي والغرام الروحي، أن أعيش ايضاً فارساً من الفرسان رابط الجأش.

رابط اللقاء:
http://www.algomhuryah.net/index.php?action=showDetails&id=6148