الجمعة“ 17 أغسطس 2018 - 07:19 ص - جرينتش

كلمة د. الشميري في مقدمة نقدية لشعر المغربية سميرة فرجي بمناسبة تكريمها

الإثنين, 27 مارس 2017 - 11:43 ص


بسم الله الرحمن الرحيم

سميرة فرجي:
شاعرة تسحر القلوب وتلون الألوان
في رحلتي القريبة الى بلدي الحبيب: الذي تغرب فيه أحزاني، وتولد فيه الفصول الكبرى من سعاداتي، وخلال مهرجانين شعريين وتكريمي في فاس في خريف السنة الماضية 2016م التقيت بالشاعرة المغربية الفصيحة المبهرة سميرة فرجي، المغمورة بين نكران الذات، وعصيان الظهور، كانت تواصلاتنا الأولى بين التعارف والتئآلف مناجاة، ومناوحات، و في رحلتنا لمهرجان الشعر العالمي للتصوف في مدينة العيون، حيث العيون الملهمة، والعيون المتدفقة بالسرور والحب، والعيون المكتحلة بالرضى والسعادة، هناك التقيت بشاعرة مطبوعة غزيرة الموهبة ملكة في عزة النفس الى درجة الإنطواء، ومليكة في التصوير الفني في أعماق النص الشعري الذي شاركت به في المهرجان، بالرغم مما تعاني من كثرة الخجل، رأيتها زاهدة في الظهور، ولولا فضل الله، ثم الدكتورة لويزا بولبرس سفيرة الثقافة والآداب والفنون، بين المشرق والمغرب، لما كان لي شرف التعرف بالشاعرة الموهوبة (سميرة فرجي)، وفي كلمتي التي كنت أود أن أشارك بها في تكريمها اليوم 17/3/2017م في فاس ، لأنال شرف الجلوس على منصة العظماء والقاء شهادتي النقدية بين يدي عملاق الأدب المغربي وعميده، ولؤلؤ تاجي العربية المتوج أستاذ الأجيال وأبو المبدعين، وشاعر الفصحى الدكتور عباس الجراري، الذي عزمت حضور تكريمه في مناسبة عيد ميلاده الأربعين مكررا، لولا ما أحاطت بي من ظروف حبست ركابي عن الحضور، ولم تحجب قلبي المشوق من التحليق في سماوات المغرب الحبيب على الدوام، وكم تمنيت اليوم أن أنال شرف الجلوس وأن أزهو على منصتكم الميمونة بجانب طود المعرفة، وحصن التاريخ، وذروة الكمال: الدكتور عبد الحق المريني، والأجلاء العلماء الأفذاذ، لكني أسفت عندما أيقنت أن ليل الحظ لم يُقْمر، وزرع التمني لم يٌثمر، فأنبت عني في ترتيل تسابيحي اليكم لمن هي أوفى من الفجر، وأزهى من الربيع، الدكتورة لويزا بولبرس وهي الأفصح مني لسانا، والأكمل بيانا.
أما الحديث العذب عن شاعرتي الملهمة سميرة فرجي، فالحديث عن شعرها متنوع والتقييم يختلف بين قصيدة وأخرى لكنه عن موهبتها وصدق ووضوح تعابيرها فهي قتيلة ذبيحة بين عناد الكتمان وشموخ الإعتزازبالذات، ووهن تجلد الأنثى عندما تبحر بعيدة عن الشاطئ، من مرفأ العاطفة عند اشتعال اللهب بوقود الوجدان، وقد حاولت أعبر مسرعا بشواطئها الخلابة في قصائدها المبثوثة في تضاعيف ديوانها (مواويل الشجن)، الذي نشر في الرباط سنة 2015م واكتض بشعرية متنوعة ومتعددة ومتموجة، فاخترت الابجار في نص واحد شغل بالي وفتنت بجماله وعذوبته ورقته، واستوطن حشاشة قلبي، النص الذي جمع بين شجن الروح، وتدفق العاطفة، وثورة الحب، وغطرسة الكبرياء، وذل الاعتراف بالندم، وضعف الأنثى، وسلطان العشق، القصيدة التي رفعت فيها الشاعرة (سميرة) الحجب عن نفسها وعن موهبتها وعن عاطفتها وعن قدرتها التعبيرية، وعن حب القلب وحربه، ورفعت فيها راية الإعتراف بعناد الأنثى، وتقدمت نحو الحبيب بسرعة الريح دون أن تشعر أو تعترف بأنها تقدمت خطوة واحدة، لأن الشوق والحب يفقدان الذكر والأنثى على السواء الشعور بالمكان الذي يقفان فيه. لكن الصورة الجمالية للتصوير الفني، في هذه القصيدة قد كسرت كل حواجز الشقاق، واذابت جليد البعد، وأشعلت مشاعر دافئة غزيرة التدفق بالرغية الجامحة صوب المصالحة، لقد أصابتني بحالة لا توصف، لقد شعرت بنوبة غيظ ورعشة غيرة، وبعض الحسد. من هذا النص الساحر الرقيق وجماليات التعبير عن المشاعر الصادقة الجياشة التي قلما تعترف بها امرأة لرجل في حالة كهذه، حالة ضعف، وندم، واعتراف واستعصاء.
لن أخطو الخطوة الأولى
يا أسر القلب، هل جاءت أخباري ........ الوجد بعثر مثل الريح أفكاري
طال الجفا وكلانا اليوم خافقه ........ يستل قسوته من صلب أحجار
أما علمت بأن الشوق يجذبني ............ إلى ديارك سرا مثل تيار
لكنه الكبر مثل السوط يجلدني ...... جلدا ويسبق خطوي رغم إصراري
مازلت أحيا عذابي فيك شامخة....... أذوب عشقا وأطفي النار بالنارِ
وكعادة المحبين في حالة البعد والجفوة يظل كل منهما يتابع بصمت حال وأخبار الحبيب الآخر، فالشاعرة (سميرة) تتساءل مع من أسر قلبها: هل جاءتك أخباري؟ سؤال يهز القلب هزا، وتأتي ذروة التصوير الجاذب بالإعتراف والضعف العاطفي فتتهاوى مع الدمع:
الوجد بعثر مثل الريح أفكاري!
وقرار اعتراف واضح بنفاد الصبر، وتقرير بالشعور المر لطول الجفوة والقسوة، إنها تعيش تحت سياط لهيب الشوق والحنين الباكي، إلى درجة الجذب!! إنها حالة تهد صخور الجفوة والشقاق، وتلئم شروخ القلب، وتسحق جبال العناد. ولا تتركنا الشاعرة سميرة عند هذا الحد لكنها تبعث رسالة الطمئنينة لتؤكد أنها في بقائها على الوفاء في عذاب الحب، وتأتي الصورة الأكثر خلابة: (مازلت أحيا عذاب الحب)، وتردفها بذكر الشموخ الأنثوي، ثم لا تقوى إلا أن تعترف بالذوابان في عشقه. ثم اقفلت الرحلة الأولى من مقطوعتها الساحرة التي أزعم بأنها لؤلؤة تاج قصائدها الغزلية الرومانسية عندما ختمتها بخاتمة مستفزة في صورة بديعة خالبة جديدة:
( أذوب شوقا، وأطفي النار بالنار) !!!

ثم تنتقل في التفاتة الندم على اعترافها لتلتقط جانب الأستمرار بين التصبر والعناد، والكبر، والحزن والاعتراف، والمناجاة، وتمتطي فن البديع بشكل لافت غير متكلف ولا منحول، فقد ركبت المشاكلة اللفظية وطباقات الجناس البديعية اللفظية والمعنوية، دون شعور منها ، ولا تكلف
مازلت أقبل أشواقي وأرفضها..... ........ كأنني قشة في كف إعصارِ
ما زلت أنسج أحلامي وأنقضها ........ وأوهم النفس في حبي بأعذاري
أبيت أكتم عشقا في العيون بدا ......... كالبدر مابين إضمار وإظهار
مازلت أقبل أشواقي، وأرفضها.... مازلت أنسج أحلامي وأنقضها، فما أحلى وما ألذ الطباق بين المتجانسين من الأفعال في ذات الموضوع. وذات السياق، وأي جمال هذا الذي أضفته الشاعرة (سميرة) بين أقبل، وأرفض. وأنسج وأنقض.. أي نسج هنا، وأي نقض هناك، حيث جعلت من المعنوي محسوسا ومن الأحلام المعنوية ذوات، وفي نفس اللوعة والشجون، والمضمون.
(مابين إضمار وإظهارِ....)
وأسأل الروح والأحزان تعصرني .......... إلى متى سيظل الكبر قهاري؟
إلى متى سيظل الدمع منتحرا .............. ويصلب القلب بين الحب والعارِ
وتحول الأحزان تارة مغعول وتارة فاعل، دون تعمد ولا صناعة، ا نها الموهبة الفطرية من الله،
كما تحول بين يديها دمع الحزن إلى ذات وهي مستمرة في ظريق الانتحار، وينفصل القلب عن صدرها وتصعد به المشنقة وترفعه للصلب، ودماء الحب تتصبب منه، كل هذا حتى لا يكون عارا عليها أن تخطو الخطوة الأولى إلى الحبيب فما أشد عناد هذه الأنثى وكبريائها عندما تطلب ضمنيا من حبيبها الخطوة الأولى اليها ولا يبادر بها.
لن أخطو الخطوة الأولى إليك ولو ....... ختمت عمري أقاسي بين أسوارِ
لن أطلب الوصل حتى لو بقيت هنا ............ أسيرة لهوى صعب وجبار
لن أرفع الراية البيضاء خاضعة......... ولو محوت بكف الثأر أقداري
لا خطوة أولى، ولو بقيت سجينة وراء الأسوار، لن تطلب الوصل رغم كبدها المتفتت وفؤادها المشتعل، لن ترفع راية الاستسلام ولوكلفها خسارة القدر الجميل، يالك يا شاعرتي الموهوبة التاعمة الرقيقة من امرأة معاندة مستعصية جبارة. ويا ويح قلبك يا أخي يا رجل يا آسر قلبها من معاند بطئ الخطو، متمرد على النداء متلذذ بهذا القدر من العذاب، لقد أشفقت عليكما معا، وغضبي عليكما يشتد كلما زاد التشدد والبطء والكبرياء، فليس عندي ولا في مذهبي بين الحبيبين غرور ولا تجبر، ولا كبرياء. وهذه مدرستي، لكن الأمية الفطرية بأبجديات سورة العشق، وذوبان الحبيب في حبيبه وانكشاف كل الحواجز، قد منحتنا فرصة احراق وقود الموهبة لدى الشاعرة (سميرة فرجي) فتدفقت بغرر المعاني والصور والبديع، وكشفت عن شاعرة مطبوعة، وتتوالى الاعترافات تلو الأخرى وتزداد معها جزالة اللفظ، وعمق المعنى، وجمالية الصور، و تتفاقم في تضاعيفها ثورة الإصرار، والعتاب المستعطف، في ضعف نفسية المرأة المرأة المقهورة، بين الاعتراف والمكابرة، روح تستبد بها لواعج الشوق ولهب المشاعر.
ما ذا يفيدك إبحاري أنا، وأنا ...... في العشق غارقة من دون بحار؟ِ
إني أكابد هما لست تعرفه ........ ولست تشهده في عز أسحاري
وتنتقل بخيالها الحزين المحبط إلى مرحلة افتراضية الموت من الحزن، من العشق، من قهر الكبرياء، وتناشده أن لا يصدق إنكارها ولوماتت من عشقه، أي عناد جبار فيك يا (سميرة)
فإن أتوك وقالوا مت عاشقة ......... فلا تصدق إذا أنكرت إنكاري
فاكتم بريك هذا السر إن به ........ ذلي وعزك وانشر كل أسراري
ولن أمانع يا جبار ثانية ....... إن كنت تتوي بهذا الصمت إقباري
يحلو لي الموت لو أعطيني قلما... من تحت لحدي لأنهي فيك أشعاري
وما تزال وهي مقتولة بالعشق مدفونة في لحد الغياب الكبير، تناشده الابقاء على غرورها بعدم افشاء سر سبب موتها، ثم تسمح له بنشر كلما شاء غير ذلك، فيالك من شاعرة عنيدة، وامرأة مكابرة، وطالما يحلو لك الموت إذا أعطاك قلما لتكتبي فيه من تحت اللحد بقية أشعارك، فأنت تجاوزت مدى لم يبلغه قيس وليلى، وكثير، وعزة، وقهرتي العاشقين والشعراء الغزليين من بعدك وفيهم وفي مقدمتهم عبد الولي الشميري الذي أسهرته وأسكرته حلاوة شعرك، وذاب وجدا بوجدك، وبسلاسة انسياب البنية الشعرية في قصيدتك، واعترف أنك بهذه القصيدة بلغت عرش الأميرة المتوجة للشعر الفصيح، الموزون المقفى البليغ السهل الممتنع، فهنيئا لك موهبة الله وهنيئا لمن تعلق به قلبك، ومن سعادتي أن اتبرع لك بقلمي نيابة عنه لتواصلي به كتابة بقية أشعارك من تحت لحدك. وطوبى لقلمي الذي يدفن إلى جانبك ليبعث شفيعا لي عن ذنوب أشعاري يوم البعث والنشور. وأبارك تكريمك الذي أعتبره تكريما لي وللشعراء جميعا.
برمنجهام 10/3/ 2017م
د عبد الولي الشميري

رئيس مؤسسة الإبداع للثقافة والآداب والفنون - صنعاء
رئيس منتدى المثقف العربي – القاهرة

أضف تعليق