الجمعة“ 17 أغسطس 2018 - 07:18 ص - جرينتش

يكفيك داء الحب


  إفتتاحيات مجلة المثقف العربي 
  افتتاحية العدد38    صدر بتاريخ (2004)

من حب، فعف، فقتل، فهو شهيد 
بقلم: د. عبد الولي الشميري صاحب السمو، والجلالة، والفخامة من المحيط إلى الخليج... 
تحية العشق، والصدق، وبعد... 
 إن كل مريض يتمنى الشفاء، إلا مريض الحبِّ، فإنه سعيد بدائه، يكره الشفاء، وينعم بعذاب الغرام، وكلما مر عليه من عمره عام تمنَّى لو يعود عليه بأعوام. إن قيس مجنون ليلى العامرية قد خلده الحبُّ في كل كتب المحبين، وطارت أخباره، وترجمت أشعاره إلى معظم لغات العالم، رغم أنه لم يعان من شقاء الحبِّ، وجنون الغرام ما تعانيه جلالتك، سموك، فخامتك. 
 إن حبك، وعشقك، وغرامك أشد معاناةٍ وأكثر آلامًا، أنت الذي تبقى عقودًا من السنين، وحتى النفس الأخير مخلصًا، وفيًّا لها، تناضل من أجل دوام الوصال، ودوام الاتصال، وترضى بحياة السجن المتنقل في حراسةٍ مشددةٍ مدججة بأسلحةٍ فتاكةٍ تقيد حريتك، وتمنعك من التمتع بحقوقك الشخصية، كأي مواطن آخر سلم من داء الحبِّ. 

 فحبك وإخلاصك لمحبوبتك حرماك – يا عيني – من حقوقك في الجلوس مع غير المحبين لها على كراسي المطاعم، وفي القهاوى، وركوب سيارات الأجرة، واختيار ملابسك من الباعة، وحرية التسوق، والخلوة مع نفسك في ظل أي شجرةٍ. إذا كان صاحبُ الفخامة "صدام" أوفى العاشقين قد اقتيد إلى المحاكمة العلنية مكبلاً في سبيل حبيبته، وقد يشنق، فأنت سجين آخر مدى الحياة من أجل الحب، ومكبلا بقيود غير مرئيةٍ مثل الخوف، والضغط، والقلق، وعيون العواذل. 

ومن أحاديث العاشقين الصحيحة في كتاب المغرمين " من حبَّ فعفَّ فمات فهو شهيد" ولسان حالك يقول: 
يقولون ليلى في العراق مريضةٌ ... فياليتني كنت الطبيب المداويا 
تراني إذا صليت يممت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
وما بي إشراق ولكن حبها ... وعظم الجوى أعيا الطبيب المداويا
أحب من الأسماء ما وافق اسمها ... أو أشبهه أو كان منه مدانيا 

إنك – يا سيدي - لا تريد شفاءً من داء هذا الحبِّ مدى حياتك، بل في سبيل الحبيبة، والوفاء لها تود أن تفديها بأبنائك، وأحفادك، وأحفاد أحفادك؛ ليعيشوا في سجنها مثلك. 
إن الغرام إذا استولى على بشرٍ ... أمسى هو الأهل، والأموال، والولد
 
كذب كل العاشقين إذا ادعو أنهم أكثر منك تضحية من أجل الحبِّ، وكل عقاقير الديموقراطية، وميكروبات التعددية السياسية، إنما هي وصفات كتبت لغرض التداول، ومن يخلص لحبيبته لا يقبل أن يتداولها العشاق، فالحبيبة لا تصلح أن تتحول إلى بغيِّ، ولا عاهر. 
 إن الذين يطالبونك بالتخلي عن هذا الحبِّ وعدم التضحية من أجل المحبوبة، لا يعلمون معنى الوفاء، ولا يدركون لذة التضحية والعذاب في سبيل العشق، نعم يلومونك، ويسخرون من عشقك لأنهم لم يتذوقوا لذة الغرام، فردد في وجههم معي: 
يلومني كل قاس القلب ينصحني ... والنصح من مثله في ملتي حسد
دعوا لأهل الهوى العذري مذهبهم ... ولا تكلف نفسي فوق ما تجد 

إن التقارير الطبية المغرضة لمنظمات حقوق الإنسان، والأمم المتحدة، ومراكز مراقبات الديموقراطية كلها تقارير مغرضة، تسيء فهم درجة الحب، وتريد منك أن تفارق ليلى بعد معاناتك من أجلها طويلاً، وتضحيتك في سبيلها بكل غالٍ ونفيس منذ نعومة أظفارك وأظفارها، لولا خوفك عليها من العابثين، وخشيتك عليها من أصحاب النفوس الدنيئة لأطلقت سراحها، ولكن كيف؟
هي القلب ونبضاته، وهي الروح ونفساتها. 
كل شيء إلا فراق المحبوب، وهذا شعبك العظيم يردد: 
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها 
ولو رامها أحدٌ غيره ... لزلزت الأرض زلزالها 

دم سيدي محبًّا مخلصًا، مضحيًا بنفسك، وأهلك، ومالك، وولدك، وأحفادك فالحب تضحيةٌ ووفاء، ولابد لسحابة الصيف العابرة المسمى بالديموقراطية، أن تنقشع عن سماء العاشقين. 
وكل عام وأنتم بخير... 

عبد الولي الشميري