الإثنين“ 18 مارس 2019 - 07:40 م - جرينتش

شروخ في جدار الوطن (26) .. واقع الشباب محزن والمستقبل في خطر عظيم


بقلم/ د. عبد الولي الشميري 

الإثنين 18 مارس - آذار 2013م

واقع الشباب محزن والمستقبل في خطر عظيم 

الحصون المنيعة للأوطان ولمستقبل الأمة هم الشباب، ومتى أراد العدو أن يطيح بأي أمة أو شعب، فنقطة الهدف القاتلة لنجاح الهجوم هي: تدمير مستقبل الشباب من الذكور والإناث أولاً، وثانياً، وثالثاً، ثم يأتي بعد ذلك دور الاقتصاد والجيوش والاحتلال، لقد أدرك الاستراتيجيون من البشر، هذا السر وتلك العلة، فقال حكيمهم: (أرني شباب أمتك، أخبرك بمستقبلها) وحيث اقتضت سنن الله في الكون أن التغيير والتحول لأي أمة من الأمم، في أي عصر من العصور وعبر الأزمنة لا يأتي ولا ينطلق من جيل الشيوخ كبار السن؛ ولكن من محور الانطلاق الأقوى: الفتوة والشباب، وقد أشار الكنعانيون الوثنيون لملكهم (النمرود) في شكايتهم المريرة وشهادتهم الصريحة بأن الذي اعتدى على آلهتهم وكسر أصنامهم فتى وصفوه بالفتوة، (قالوا: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم)، و كذلك وجدنا عن نبي الله موسى عليه السلام وصاحبه ( الخضر) بأنه لم يكن جديراً بصحبتهما إلا فتى: (قال لفتاه آتنا غداءنا) ويكفي الفتوة وسن الشباب امتداحاً قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى). 

ولم تقم الحضارات، ولم تبن الدول إلا على جهود وسواعد الشباب، ولولا الفتوة والشباب ما بنيت الأهرامات، ولا ارتفع على سماء باريس برج أيفل، ولا شيد سور الصين العظيم، ولم يتقن الهنديون أعجوبة تاج محل، ولما استطاع السبئيون قديماً تشييد سد مأرب، ولا عرش بلقيس العظيم. إن رأسمال الأوطان وحصونها المنيعة هم الشباب، الذين تم لهم الحظ الوافر من البناء التعليمي، والإعداد النفسي والمعرفي والجسدي، وتمت تربيتهم على معالي الأمور، ولاحت على قسمات وجوههم النجابة والرشد في عمر العطاء والفتوة، ونالوا الفخار بما في صدورهم من معرفة، وبما في قلوبهم من رحمة وحب، وبما في عقولهم وطباعهم من وعي وكمال.. 

إذا بلغ الفتى عشرين عاماً ....... ولم يحز الفخار فلا فخارُ 

وقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم (أسامة بن زيد) لقيادة جيش جرار فيه أبوبكر وعمر وعثمان وعلي، وكان عمره ثماني عشرة سنة فقط، كما كان أول المؤمنين بالرسالة المحمدية فتى صبياً نبيهاً لم يسجد لصنم هو: الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ولم تكن الفتاة غائبة عن ذلك النموذج المتفوق الموهوب، فقد كانت الفتاة الشابة (أسماء بنت أبي بكر الصديق)، كاتمة أسرار يوم الهجرة، ومسؤولة الإمداد والتموين، وشعبة الاستطلاع للرسول عليه الصلاة والسلام ولصاحبه الصديق. إن معظم شبابنا اليوم في فتوة ضائعة، ينفخ في عروقهم الحماس كل زمار للباطل، وكل طبال للتخريب، فلا يجدون من يحاول اكتشاف مواهبهم، أو من يأخذ بأيديهم إلى موكب الرشد الكامل بالعلم والمعرفة، ولو وجد بعضهم أوبعضهن آباءً وأمهاتٍ يمتلكون شيئاً من الوعي، ويزجون بهم في مجال التعليم النافع لما وجدوا المحاضن الأمينة للتربية والتهذيب، ولا يجدون من ينقذهم من رتابة المناهج الدراسية الروتينية، التي تفتقد الأسلوب المشوق، وتفتقد التمييز بين سني العمر بين طالب وآخر، وهي مناهج تفتقد حب التلاميذ، وتفتقد أسلوب الأستاذ الخبير بالعطاء والتدرج، وغاية مايتمناه الطالب: أن يقال له ناجح، ولو لم يكن ناجحاً. وأعرف آباءً ينشرون الرشاوى، أو يستغلون النفوذ لشراء شهادات زورية كاذبة خاطئة لأولادهم، وغاية ما يتمناه الأستاذ والأستاذة بلوغ آخر يوم من الشهر لاستلام الراتب، فكيف ننتظر من هذه الطريقة ومن تلك المناهج ومن ذلك الأسلوب مستقبلاً يملؤه جيل التفوق والنجاح، ولكن الأسوأ والأشد كارثياً هو أن الأغلبية الساحقة من البنين والبنات، وخاصة من سكان الأرياف الذين يمثلون نسبة 70 % من السكان لا يلتحقون بالمدراس، ولا حتى بمعلم القرية في المسجد أو الكتاب، ويفرغون أطفالهم إما للرعي، أو التسول، أو بيع العدو الأخضر من أغصان القات، فتـنـتشر من خلال هذه الشريحة في المجتمع الأمية، وتتكاثر أعداد الجاهلين، وتضيع المواهب الزكية النقية في شريحة الأجيال القادمة من الريف النقي، ولا يجد العقلاء والشعراء سوى البكاء والنواح على المستقبل جراء ضياع الأجيال، ولم يبك الشعراء شيئاً من حياتهم كما بكوا عمر الفتوة والشباب، وكثيراً ما تمنوا عودته وأنى له أن يعود!!: 

         ألا ليت الشباب يعود يوماً ....... فأخبره بما فعل المشيب 

والعاشق المجنون جميل بثينة لم يتمن شيئاً غير عودة عمر الشباب بعد رحيله: 

         ألا ليت ريعان الشباب جديدُ ....... ودهراً تولى يا (بثين) يعود 

وكما استطردنا من إهمال التعليم والتربية للأجيال؛ فالنتيجة الحتمية أن تغلق أبواب الأمل في وجه الوطن، وأن لا يترقى بشبابه وشاباته، ويظل الجاهلون والمغامرون يتحكمون في حاضره ومستقبله، ويتدربون على حياة التمرد على الحياة الحضرية، وعلى الالتزام بالقوانين، و نرى حتى اليوم من يحتكمون لغير الله ولغير القوانين، بل ويعتزون بشرائع الجاهلية ونعراتها، لأن الأمية والجهل والانغلاق لن يعيش في رحمها سوى التخلف، وسوى التجهيل جيلاً بعد جيل. ومن كان قد نال حظاً من التعليم المحدود، ونال فرصة متابعة الحصول على منحة دراسية بشق من الروح، فهو، أو هي، يتجرعون مرارة الاغتراب، وذل الحاجة، وأهوال التعقيد والموافقات الأمنية، وصعوبة التأشيرات، وقلة الزاد والمأوى، وقد يهاجر ابتغاء الكسب الحلال يبتغي نيل حظ من النجاح لتحقيق مراده، لكنه ما يلبث أن يجد نفسه إما على رصيف يتسول، أو في سجن بتهمة سياسية، أو يعود لأهله مرحلاً، ولسان حاله: 

         وارحمتا للغريب في البلد النازح ....... ما ذا بنفسه صنعا 

         فارق أحبابه فما انتفعوا ....... بالعيش من بعده وما انتفعا 

ولا يجد في اغترابه مالاً ولا رشداً، ولا ستراً لحاله، فقد يلبث من عمره سنين قبل أن يستعيد مااستدانه من قيمة فيزا تأشيرة الدخول. 

ناهيكم عن ملايين من الفتيات اللاتي لا يجدن فرصة للتعليم، ولا فرصاً للعمل، ولا حد الاكتفاء من الرزق، ينشأن بين طموح وأحلام غير قابلة للنجاح، لضعف الفرص وقلتها، ويصبحن ضحايا وأسيرات لمطامع الطامعين، وضحايا لوحوش كاسرة: العنوسة واليأس والمتربصين. ومن ثم تحدث الاختلالات المجتمعية، بكل مالا نود تفصيله، فأين مسؤولية الدولة عن ملء فراغ تلك الشريحة الكبيرة الواسعة من المواطنات؟ وأين البدائل النافعة كالمكتبات العامة، والأندية الاجتماعية، وجمعيات التطوع لخدمة المجتمع؟ لقد انكفأت حكومات أوطاننا على نفسها بالدعاية والترويج للذوات والشخصنة للحاكمين، وتركوا أكثر من نصف المجتمع لعادة التفرطة ومقائل القات والدخان، كما غرق في نفس المشروع المدمر أخواتهن من الشابات، فأين محاضن الجيل العربي؟ وأين دور الأمناء على مستقبل الأمة في شعوبنا المقهورة؟ وإذا كانت مخرجات التعليم كما ذكرنا فمن يكون إذاً لبناء الأوطان؟ ومن يكون إذاً للذود عن حياضها؟ ومهما حاول الأغنياء بفضل ثروات ما تحت الأرض التي تحت أقدامهم - الاعتماد على الأجانب لبناء أوطانهم والركون عليهم للدفاع عنها، - فلن يكونوا أكثر حرصاً ولا أكثر ولاءً، ولا أكثر إخلاصاً، ولا أقدر على حمايتها من أبنائها، وخاصة إذا انحسرت عن ثراهم الثروات، وسالت على خدودهم العبرات: 

              لا يرتقي وطن إلى أوج العلى ....... مالم يكن بانوه من أبنائه 

إن الفتاة العربية وإن تعلمت، وإن توظفت، وإن عملت كالرجل، لكنها ما تزال ترزح في قيود التخلف الممقوت، وتتوارث عدم تحمل التفكير والمشاركة لأخيها الفتى في هموم بناء الأوطان، وفي رسم ملامح وقسمات المستقبل، إنني أعتقد جازما بسلبية التنشئة الخاطئة، والصورة الذهنية لسلبية دور المرأة، وحصره في مجالات رمزية، كطهي الطعام لرجلها المنشغل بالجلوس على المقهى، أو في مقائل الشلل العاطلة عن العمل لقتل الأوقات، أوتنشغل بالبحث عن رحلة زوجية ولو خاسرة لغرض التحرر من البقاء في منزل الأهل، والالتحاق بمنزل رجل آخر ولو لم يكن كفؤاً لها، كل ذلك يحدث ومازلنا نستمع فقهاء الحقب الظلامية، الذين ما يزالون يعيشون بعقلية الجاهلية الأولى، من إبقاء المرأة خلف دور مشاركة الرجل في بناء الحياة، وما يزال أولئك يفتون ويعتقدون بقول مفتيهم: 

ماللنساء وللقراءة والخطابة والكتابة ..... هذا لنا ولهن منا أن يبتن على جنابه 

وفي الوقت الذي تزداد الحياة المجتمعية ظلامية وتخلفاً، وينشأ جيل لا يعرف التربية الصحيحة، ولا التنشئة الفاضلة، فينزلق وراء الهروب من التعليم، ووراء المنشطات والمخدرات والمسكرات، وقد يسهل اصطياده لأي عصابة من العصابات فيخسر نفسه وأهله ومستقبل وطنه، ومرد ذلك كله ورأس أسبابه: عدم التربية المنزلية، وجهل أمه، وتخلف عقلية أبيه، ولو نشأت المرأة في نور العلم والمعرفة، لكانت هي المدرسة الأولى، وهي المسجد لمولودها، وهي التي تغرس بذور الخير في طينة الأجيال، ورحم الله حافظ إبراهيم القائل: 

           الأم مدرسة إذا أعددتها ....... أعددت شعباً طيب الأعراق. 

shemiry@shemiry.com