الخميس“ 21 يونيو 2018 - 08:16 م - جرينتش

هل دور الجامعات مجرد منح الشهادات للوصول إلى الوظيفة أم هي بيوت لبناء الفكر والنهضة؟


بقلم/ د. عبد الولي الشميري 
الإثنين 25 فبراير - شباط 2013م

قتلوا بنيران صديقة 
قبل الحديث في موضوع هذه الحلقة من (شروخ في جدار الوطن) أبدأ بالترحم والصلاة، وأستمطر الله رحمة واسعة للشهداء الأبرار الذين سقطت على رؤوسهم طائرة حربية سوخواي روسية الصنع، والتي مازالت قيمتها دينا على كاهل اليمن، وقد كانت هي وأخواتها المتهالكات سبباً في إلغاء مشروعات حيوية، حرم منها اليمنيون لعدة عقود، بذريعة شراء قطع غياروصيانة؛ ثم لم تسلم من شرها الأرواح الطاهرة البريئة الزكية ولا سيارات الأهالي، ولا البيوت المتواضعة؛ من الهدم والحريق، ولو علمت الصديقة (إيران الإسلامية) بحقيقة حالتها لما احتاجت - كما زعموا - لإرسال صواريخ مضادات لإسقاط هذا النوع من الطائرات، ولاكتفت بمساعدة اليمن بسجن آخر، ولم ينس اليمنيون أن السجن المركزي العام في شمالي صنعاء كان هدية وحيدة من إيران في عهد الملك محمد ظاهر شاه، الذي كان يلقب بشاه شاه، وتم افتتاحه في عصر الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي؛ كبديل عن سجن الرادع؛ الذي كان في شارع القيادة منذ عصر الملكية المتوكلية، فعزائي لصنعاء الحبيبة، ولكل مدن اليمن المستعدة لهجوم النيران الصديقة في أي لحظة، وعزائي لأسر الضحايا جميعاً من أبناء اليمن الحبيب كافة، ولأهلنا في شمير من وادي معان من عزلة الخياشن عزاء خاصاً، وفيمن بلغني استشهادهن: انتصار ناصر قائد الشميري، وشيماء مصطفى محمد قائد الشميري، ولمياء مصطفى محمد الشميري. مستغفراً لهم الله: 
قتلوا بنيران صديقة 
 حرقوا بأبشعها طريقة 
رحلوا وبين عيونهم 
 دنيا، بأظلام غريقة 

أما بعد: إلى أين هي وجهة ملايين المتخرجين من حملة الشهادات الجامعية والماجستير والدكتوراه؟ المتقاتلين على المنح الدراسية خارج الوطن، وسعيد الحظ من وصل إليها! ومنهم من يتوافدون إلى الجامعات الحكومية التي صارت في شروط قبولها وتزاحم المتقدمين عليها؛ أصعب من الحصول على منحة خارجية، وأصبحت لمن له مال، أو في كفه كف. وماتزال سيول من الجامعات الأهلية الفقيرة غير مؤهلة، ولا تملك من رأس المال سوى استئجار المبنى فقط، والتأثيث دين، أما مرتبات الإداريين والمدرسين على باب الله، وهنا يتساءل المستقبل: من أين يأتي المؤهلون فعلاً بالعلم النافع؟ أما الحاملون للشهادات بالانتساب فهم كثيرون، والأكثر منهم حاملوا توصيات بتوقيعات أصحاب النفوذ. 

ولقد صدق العلامة الشاعر محمد بن سالم البيحاني رحمه الله حين قال: 
أما الشهادات فلا تعتبرُ 
 ما لم يكن للعلم فيها أثرُ 
وإنما صاحبها المؤتفك 
 حتى ولو أمضى عليها الملك 
الجامعة ليست مكاناً لمجرد الحصول على شهادة توظيف بقدر ما هي: ساحة انصهار للجهل الفكري، ومحو لأمية الوعي، وليس أدل على ذلك من الدور الريادي للجامعات الشهيرة التي تخرج منها عمالقة الفكر والثقافة والسياسة، فلن نذهب لضرب الأمثال بجامعة السربون باريس، ولا أكسفورد البريطانية، ولكن نتذكر دور جامعات عربية انطلقت منها مشاعل التجديد والتحديث والتنوير، مثل: أقدم وأول جامعات في العالم مثل: جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، التي أسستها السيدة الفاضلة فاطمة بنت محمد الفهري القيرواني سنة 245 هجرية 859م، وجامعة الزيتونه في تونس، سنة 737م 120هـ، والتي تخرج منها أشهر علماء الاجتماع ابن خلدون والشاعر أبو القاسم الشابي وعبد العزيز الثعالبي، وجامعة الأزهر، وجامعة القاهرة ودار العلوم المصرية الشهيرة، كقبس من جذوة رجال مخلدين بالذكر الحسن مثل: علي مبارك باشا، في عصر الخديوي إسماعيل 1872 ميلادية، وقبل أن تكون الجامعات الأوروبية والأمريكية في مركز الصدارة لقيادة التنوير العصري الحديث، لقد كانت الجامعة منارة لتوجيه الرأي العام، ولإرشاد المجتمع، والتخطيط للدول، وراسمة للاستراتيجيات الكبرى للحكام، وهي مراكز أبحاث في شتى مناحي الحياة، فأين ذهبت تلك الأدوارالريادية؟ ومتى سلبت؟ ومن الذي حول الجامعات ذات التخصصات العلياء إلى أقل من مدارس تقليدية مفرغة من مضامينها، ولمصلحة من؟. 

 لقد استمرأنا التأمين وراء قرارات الحكام. ولو كان لا يعرف من العلم شيئاً، حتى تمادوا وجعلوا رؤساء الجامعات، وبعض عمداء الكليات، من الجنرالات العسكرية، أومن أجهزة الاستخبارات السرية، فتحولت أفنية الجامعات إلى شبه ثكنة عسكرية، أو وكر استخباري عريق، لوجود عداء بين حاكم جاهل حرم من نعمة التعليم، وبين مراكز الإشعاع العلمي، وبيوت الفكر والوعي السياسي، وكثيراً ما نرى اليوم في أصقاع الأرض من طلاب اليمن في الجامعات العربية والأجنبية آلافاً من الباحثين، يقضون معظم أوقاتهم في التظاهر، والاعتصامات على أبواب سفارات بلدهم غضباً من سوء المعيشة، ومن تأخر سداد المنح الدراسية، والحقوق المشروعة لهم، ويمضي الطلاب والطالبات معظم أوقاتهم في المعاناة من تأخر الموافقات الأمنية، والتحويلات البنكية للمنح، وللأسف إن أيام المعاناة والبكاء أكثر من أيام التلقي العلمي والدراسي، وقد تضيع منهم سنوات، وقد يخسر الطالب والطالبة من عمره الدراسي أثمن أوقاته بسبب التأخر عن موعد النجاح، ثم يطلق عليهم فاشلين، أو متأخرين، أو مدفوعين سياسياً، وتبدأ الحرب النفسية تستبقهم في كل دائرة، أمن هؤلاء القابعين خلف جدر المعاناة نستطيع استلهام ملامح المستقبل؟. 

متى يستقيم الظل والعود أعوج؟ ولماذا الجمود في حركة تجديد المناهج الدراسية، أتذكر أنني منحت شرف المشاركة في تدوين بعض المناهج الدراسية في مادة اللغة العربية والبلاغة بفروعها المعاني والبيان والبديع، ضمن لجنة من كبار العلماء - رحمهم الله - وهم أساتذتي العلامة محمد بن عمر الأهدل، والعلامة أسد حمزة عبدالقادر، والعلامة حمود بن محمد شرف الدين، وكان التدوين من العلماء على طريقة المراجع اللغوية القديمة التي كنا نتلقى عنها علوم اللغة، وكنت أوافق الصياغة بأسلوب التجديد المنهجي على غرار كتاب البلاغة الواضحة والنحو الواضح للشيخين الجليلين علي الجارم، ومصطفى أمين، وكان العام الدراسي قد داهمنا فاستعجلنا تسليم المناهج للطبع بشكل مؤقت مع توصية بضرورة إعادة تحديث الأسلوب للمعلمين، ولكنها ماتزال كما رسمت قبل حوالى ثلاثين سنة، تتكرر الطبعات وتستبدل الأسماء، ولكن ماتزال كما تركناها، بينما نرى في البلدان التي تعد أجيالها للتفوق وقيادة المستقبل في كل مجال؛ تحتم إعادة صياغة المناهج وتطويرها كل ثلاث سنوات مرة، وتظل لجان التطوير منعقدة بشكل دائم، فأين نحن؟. 

ناقشت عدداً من رسائل الماجستير والدكتوراه في عدد من الجامعات لباحثين من بلدان عربية ومنها مصر واليمن والسودان، فوجدت أن بعض الرسائل العلمية مكررة الموضوع، متناقلة الأسلوب، و كثيراً ما رأيت ذلك التكرار والتناقل بين باحثين من بلد واحد، وكانت أمانة العلم تحتم الاعتراض، ولكن الضرر الذي سيلحق الباحث مدمراً لمستقبله فوق ماعاناه الطالب أو الطالبة من جهد وابتلاءات، حتى وصل إلى يوم المناقشة، فينفطر له القلب شفقة عليه؛ لأنه ليس المذنب فيما اقترف، ولكنها المؤسسة والجامعة التي ابتعثته دون توجيهه لما تحتاجه الجامعة من التخصص الأجد، ومازلت أحترم موضوعات الباحثين السودانيين والمغاربة؛ الذين ماتزال أطروحاتهم العلمية في صميم الهدف الاستراتيجي لحاجة الجامعات، وقدرتهم على تقديم مادة علمية مركزة الفائدة لا توصف، وأتذكر أني ناقشت رسالة علمية لدرجة الدكتوراه للباحثة السودانية (زينب سر الختم عبدالرحيم) في موضوع تأثير المكان في مواهب الإنسان، في دراسة نقدية، كانت مذهلة؛ موضوعاً وشكلاً ومضموناً، في صفحات لا تتجاوز 180 صفحة بطريقة شديدة التكثيف، لكنها تغني عن مجلدات كثيرة مقارنة ببعض الرسائل الأكاديمية الأخرى، وإلي اليوم أن أتساءل عن رسالة المسجد الذي كان روضة يقتطف منها العلم، ومنه تخرج معظم العلماء، مابال المسجد تحول للوعاظ الذين لا يحسنون غير تخويف الناس وشد الخناق فقط، لم لا تعود له رسالته الليلية والفجرية، ويتصدر للتعليم فيه مستنيرون، ليساعدوا المدرسة والجامعة في مسافات من التلقي المعرفي في فنون شتى كما كان المسجد سلفاً، ومابال الأنثى أصبحت شبه محرومة من ارتياد المسجد، والتعلم فيه، ومزاحمة الذكور على التلقي. 

 لقد أصبح هاجس الفاحشة مسيطراً على عقليات كثيرة، فحالوا دون إماء الله من التمتع بالمساجد كإخوانهم الرجال، لقد كان تأريخ مصر واليمن في العصور السابقة أكثر تنويراً مما نحن عليه اليوم، ويكفي أن أضرب مثلين على ذلك: السيدة نفيسة ابنة الإمام الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن الإمام الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب؛ نشأت في مكة، حتى صحبها أبوها مع أمها إلى المدينة المنورة؛ فكانت تذهب إلى المسجد النبوي وتسمع إلى شيوخه، وتتلقى الحديث والفقه من علمائه، حتى لقبها الناس بلقب (نفيسة العلم) قبل أن تصل لسن الزواج،ً حتى بلغت مبالغ النساء. وعاشت في المدينة لا تفارق الحرم النبوي، قارئة ذاكرة وحجت أكثر من ثلاثين حجة أكثرها ماشية، ثم انتقلت إلى مصر وكان من تلاميذها في المسجد بمصر الإمام الشافعي، محمد بن إدريس، رحمهم الله. 

أما المثل الثاني من اليمن فهي السيدة زينب بن محمد الشهارية العالمة الفاضلة التي كانت تعقد حلق العلم في المسجد للمئات من طلبة العلم، وهي من أشهر شاعرات اليمن ومن قولها: 
سريت ما غرني حقاً سوى قمرٍ 
ولست أول سار غره قمرُ 
فمنك جاءت ولم ترث لمغترب 
 لم ينه عنك ولا زيد ولا عمر.ُ 

shemiry@shemiry.com