الإثنين“ 18 مارس 2019 - 08:23 م - جرينتش

خمسون عاما من الأمل العربي


من اجل القضايا العربية 

الأهرام المسائي - صدر بتاريخ (2003)

 

الأهرام المسائي - 17/7/2003 – العدد 41505 

لنا معشر العرب قصص كثيرة، وآمال عريضة على كل رقم يبلغ الخمسين، وإن كانت الخمسون سنة تعتبر مرفأ النهاية وسن الضعف، وأمد التقاعد الإجباري لكل عمل عربي، مشترك إلا ما رحم ربك. وعند الأمم الأخرى يعتبر سن الخمسين هي سن الشباب، وريعان الفتوة لكل عمل جماعي أو مؤسسي، بل ويفتخرون بمنجزات ذلك العمل، ويحتفلون بتاريخه، وهناك تكون الإحصائيات الدقيقة عن حجم المنجزات، ومراحل التطور والنمو لذلك المشروع أو ذلك العمل.

ولطالما رأينا احتفالات الأحلاف الدولية والإقليمية مثل حلف الناتو، واتفاقية وارسو، وعهد برلين، وقيام إسرائيل، وميثاق الأمم المتحدة، وأمثالها كثير وكثير وكثير.

ولكن خمسينيات العرب لا تحمل إلا ذكريات الطموح وذاكرة الآمال، وأيام الإرادة.

ونحن اليوم نعيش الذكرى الخمسين لتأسيس مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، الذي نشأ قويَّا وَعُلِّقَتْ عليه آمالُ الشعب العربي، ليكون جسر الوحدة الاقتصادية العربية، وعنوان العودة إلى ما يجب أن تكون عليه الأمة الواحدة.

ورغم أنه ما زال يعيش، وما زال يطبع أوراق البروتوكولات ومحاضر الاجتماعات، ويخطط ويبرمج، ويتواصل، ويقوم، ويقعد، ويدعو للمؤتمرات، ولا يصيبه شيء من مشاعر الملل والإحباط من الواقع العربي المرّ، الذي ينسلخ من عضوية هذا المجلس تدريجياً عضوٌ ثم عضوٌ.

وعجبت للأخ الصديق الأستاذ الدكتور أحمد جويلي، الأمين العام للمجلس كيف لا يمرض من قهر العرب وتخاذلهم؟ وكيف لا تظهر على شخصه ملامح الملل ومشاعر الإحباط؟ بل يواصل جهوده الجبارة، وكأن الموعد النهائي لتنفيذ الاتفاقيات، وقيام السوق العربية المشركة غداً أو بعد غدٍ.

وكم كنت أرثى لحاله وأتعاطف مع أعصابه الفولاذية وهي تُذبح على مشنقة التنافر العربي، والخذلان القومي.

ولكني اليوم أقل شعوراً بالألم لهذه المنظمة العربية أو المجلس العروبي.

لأنني رأيت الذكرى الخمسين تقترب لإنشاء جامعة الدول العربية التي ولدت على أي وضع كان، وفي أي حجر يكون، إلا أنها ظلت وما تزال تُذَكِّر بأن العرب أمةٌ واحدةٌ، وقوميةٌ واحدةٌ، ولغةٌ واحدةٌ، ودينٌ واحدٌ، وأرومةٌ واحدةٌ، وحضارات متحدة، تمازجت قلوبهم ودماؤهم ومصالحهم، وثقافاتهم فكانوا أمة واحدة لا خلاف عليها ولا جدال فيها.

وطالما توافد على دارها الوفود، ورفرف علمها على رؤوس مئات من القادة والزعماء، ولكنها اليوم في نهاية عِقْدِهَا الخامس، وفي ظل قيادة يجب أن لا تُخْذَلَ، ولا تُقْذَفَ بالتهم، ولا تُعَلَّقَ عليها شماعات القاذورات الغارقة في وحل التقوقع والذلِّ، والطمع.

والجامعة العربية وهي تعد نفسها للاحتفال بخمسينياتها الأُولى، تجد دولاب ملابسها خاليَّا من الفساتين إلاَّ البالية المرقعة، والسوداء الداكنة التي لا تصلح لغير حفلة حداد.

لأنها منيت بتعجيزها ممن يجب عليهم مساعدتها بالنهوض بأعباء العروبة الثقيلة، وزادوا جسم العروبة جروحاً أدمى وأنكى من جرح الاستعمار وحكم الانتداب.

وما تزال القافلة في صحراء التشرذم والشتات لا حادي لها ولا هادي.

ومتى تنطوي البيداء بفيحائها العريضة، وأين يمكن لقافلة العروبة أن تتجه، وصوت العرب في عيدها الخمسين نعترف بأنها إذاعة ملأت سمع الزمان بمداها وصداها المدوي في أقطار الوطن العربي منذ أطلقتها ثورة يوليو المجيدة في مصر، ونعترف أنها قامت خلال محنة حروب التحرر من الاستعمار، وعهود الانغلاق السياسي في بعض الأقطار العربية قادت فعلاً عاطفة المتابع العربي لبرامجها وأخبارها وأشعارها، ونشيدها ونشيجها حتى تمكنت من تكوين رأي عام وتحالف شعبي لصالح قضايا الأمة العربية من محيطها إلى خليجها.

ورغم انتقالات الأوضاع السياسية المتناقضة والمتحدة في كثير من الأقطار والانحياز الكلي من إذاعة صوت العرب لنهج الحيادية المطلقة في الإعلام إلاَّ أنها ما زالت - وأرجو أن تظل - من الإذاعات التي يُشار إليها بالبنان، ويُصغى لها بالآذان، على أمل أن نستمع منها يوماً من الأيام إلى بيان مجلس الجامعة العربية على مستوى القمة وهي تعلن للشعب العربي توقيع القادة العرب بالإجماع على قيام الاتحاد العربي لكل أرجاء الوطن وتنصيب قيادة جماعية فيدرالية بالتناوب، ودمج الجيوش العربية، وتوحيد وزارات الخارجية والبرلمانات، وإلغاء التأشيرات بين أقطار الشعب العربي، وتوحيد وثيقة السفر، وفتح الأسواق العربية على مصراعيها لكل منتج عربي يتجول حيث يستطيع داخل أرضه العربية كما يتجول الإنسان في داره، كما أرجو – ولا سمح الله – أن أسمع صوت العرب تعلن القرار العربي بالإجماع على قبول مجلس الحك الأمريكي المحتل للعراق ممثلاً لشعب العراق وعضواً بجامعة الدول العربية، أو أن نسمع ولا سمح الله أيضاً بقبول العرب بهدم آخر معالم القومية العربية وطمس معلمها الأبرز – جامعة الدول العربية- لصالح قيام نظام إقليمي جديد يكون فيه العضو الأقوى والأبرز إسرائيل. 

الدكتور عبد الولي الشميري