الجمعة“ 17 أغسطس 2018 - 07:18 ص - جرينتش

ساحر في اليمن


  إفتتاحيات مجلة المثقف العربي 
  العدد(39)     صدر بتاريخ (2004)
 
 بعيدًا عن السياسة، وبعيدًا عن أشباح الرعب، سأكتب في الجغرافيا، والفلك والآثار والأساطير، وألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة وروميو وجولييت، من الآن حتى أموت أو يموت القلم، أو يموت الإرهاب أو يبقع العقل، والحرية. 
 لأن الكتابة في الشئون السياسية، والتنبؤ بما في صحف قمة الجزائر المرتقبة، وماذا حدث في بيروت، وماذا سيجري لدمشق، وماذا وراء قمة شرم الشيخ، ومن السياسي الفنان الذي استطاع أن يجمع بين قناعات النقيضين بوش وشيراك بعد الخلافات الشديدة، والسؤال عمن عقر ناقة الله وسقياها. كل هذه الموضوعات من الإرهاب، والحديث عنها يسبب الأوجاع، ويحطم الرأس والأضلاع، وطالما الوحدة العربية قادمة بالتأكيد، ولو بعد قرون، فلا داعي أن نستبق الحدث قبل أوانه حتى لا نعاقب بحرمانه، كما لن أفكر في الحديث عن الإرهاب وأهوال الإرهاب فهو الحديث الأخطر من الملف النووي، لأنه ذو حدين، مطلق اليدين، يقتل بالألف والألفين. 

فهذه المرة لابد أن أصف الساحر في اليمن، الذي فتن النساء والرجال واستولى على مملكة الرمال، والجبال. 
كان ومازال ماردًا جبارًا في نفوذه وقوة سلطانه، تهواه القلوب، وهو صاحب الوجه المحبوب، يشيخ البشر وهو لا يشيب، ويتجدد كالقمر، كان في الماضي يتردد اسمه على مسامعي بأوصاف الزمن الحلو كالسكر، وأشجى من الوتر، حدثني عنه أبي أحاديث العجب، وقرأت عنه في سورة الفن وأخبار الطرب، وكتب وتغزل فيه ألفان من شعراء وأدباء العرب.
البحر يجثو صغيرًا تحت أخمصه ... والموج يغسل رجليه فيغتسل

لقد رأيته ذات مرة كئيبًا حزينًا يحتسي كؤوسًا من الخمر، وعلى صدره كدمات الألم، وهو مطرق رأسه على كفه، ويشتعل الدخان من أنفه، ويتصاعد من خلال شاربه وذؤابة رأسه، لكني رأيته هذه المرة باسمًا متهلل القسمات، يعانق الرجال، ويقبل النساء والبنات، تلتف ذراعاه على خاصرة البحر، ويداعب حلمات الشاطئ يردد بغناء عذب مرحبًا، على الرؤوس في المقل، قلوبنا هي المحل، إنه هذه المرة أكثر سحرًا، وأشد فتنة بجماله، رأيت حوله بناته الأربع، وأبناءه الستة الذين يحيطون بأقدامه إحاطة الطوق بالمعصم، إنه فعلا ملك البحر، ومعشوق القمر فسبحان من ألهمك السحر، وعلمك فنونه. 
ما عساه سحر (هاروت) و(ماروت)، من موهبة فاطر السماوات والأرض، رب العرش والملكوت. 
 لقد سألته هذه المرة عن قصة جيوبه السبعة المعلقة على صدره الرحب متى نسجت؟ ومن أي النسيج؟ فقال: هذه قلدني إياها أخي غسان، قبل رحيله إلى بصرى بالشام وعلقها على صدري أمانة، ليذكره بها أولاده إذا لم يعد، ولكنه استوطن الشام، وتوج ملكًا على أهلها، وأبقاني حاملا هذه الأمانة حتى تقوم القيامة. 

 فسألته متى كان ذلك؟ فابتسم ساخرًا وقال: يا بني كان قد علقنا هذه الجيوب السبعة، ورحل قبل أن تولد دمشق، وقبل أن يدفن فيها النبي دانيال، وقبل أن يولد أبنائي الستة، وبناتي الأربع، أنا يا بني ولدت طولا عالي الهامة، ومديد القامة، أتمشط بأذيال الشمس، فسماني أبي شمسان، وأما أخي الملك فقد كان قصير القامة، عميق التفكير بشئون الماء، والجيولوجيا وعلوم الأرض، وهو أشهر وأقدر، وأقدم مهندس للسدود، وقنوات تصريف المياه في جوف الأرض، وعلى سطحها، وكان يسمي هذه الجيوب السبعة التي علقها على صدري (صهاريج) احتفظ فيها بقطرات المياه التي تغسل رأسي وفيها احتقن دموع عيني، فتبقى في هذه الجيوب السبعة، ليفيد منها أو يحتمي بها أبنائي وبناتي الجميلات، سألته: كم عمر هذه الجيوب التي نسميها (الصهاريج)؟ قال: لا أذكر بالضبط إلا أنها كانت في عصر قبل نبي الله داوود وقبل سليمان. 
 فذهلت لهذا الساحر الخلاب، عندما التفت نحو الأصحاب سألته قبل أن تشيح عني بسحرك أجبني على آخر سؤال: يا عم ما أسماء بناتك؟ فرد مبتسمًا كلهن أكبر منك عمرًا ولا تسألني عنهن فإن كان ولابد فتلك الفاتنة هي التي أوقعت بجمالها (هاروت)، وأغوت (ماروت)، اسمها (صيره) ومن عجائب الزمن أن يطلق الناس على جميع عائلتنا اسم (عدن) وأحيانًا ثغر اليمن. 

عبد الولي الشميري