الإثنين“ 18 مارس 2019 - 07:34 م - جرينتش

شاهد على انتحار الزمن


مقدمات كتب آخرين 

صدر بتاريخ (2006)

 

هذا الفيصل المكنون في خبيئآت سحائب الغد؛ بدأت سبائب أمزانه تصطف على آفاق البصر في طلائع الغيث، وغاديات الحياة الشعرية المتدفقة في قطر اليمن. فهذا الشاعر ليس إلا وثبة من وثبات المواهب الربانية التي انبجست في عمر الزهور، وفي ريعان الفتوة دون وراثة، ولا سلالية شاعرية مشهورةٍ في العصر الحديث. 

فالحكمة من الله، والله "يؤتي الحكمة من يشاء" 

فالشاعر فيصل البريهي ما يزال في عمر البكور فتوةً واتقادًا وإشعاعًا، وهو في أزهى سني الشباب من عمر العطاء، وعمر العُرام المفترض أن يكون له كأترابه، لا نرى له إلا غراميات المجد، وثنائيات الالتياع، والإبحار على أشرعة التكوين. 

يصارع أمواجًا عاتية في محيط الكون العاتي بأمواه وأمواج اللذائذ والمرارات والأحزان والأفراح، والنجاح والإخفاق، وهو الإبحار الذي ما نجا منه شاعرٌ، ولا وصل إلى شط محيطاته سابح، فقبور ضحاياه في ملايين القصائد، وآلاف الدواوين، وما تزال سفاين القادمين تترى مبحرةً في عُباب التيار ثم تهوى إلى الأعماق. 

إنها أقدار الشعراء، لأنهم يسبحون في لجة الوهم، ويرحلون قفار الخيال، تلك عبادتهم المنزلة التي جرت بها أقدارهم الإلهية، وهي قسمتهم من الرزاق العليم:

أنا في وادٍ من الوهم الذي ... تستوي الأطيار فيه والأفاعي

تستوي الأحلام والأشباح في ... ظله والشاة تبدو كالسباع

ضقت ذرعًا بالضحى أو ضاق بي ... كل ضوء جائعٍ ينوي ابتلاعي 

هذه تقريرات الصندوق الأسود لنداءات الاستغاثة التي أطلقها الشاعر البريهي وهو يتوهم الغرق، عندما عبرت سفينة خياله التي سلك بها موجًا كالجبال، فأطلق هذا النداء وجسده تحت السلاح من معسكر الفرقة الأولى مدرع، التي يعمل بها كواحدٍ من مقاتليها، له ملفٌ من الورق في سجلات أفرادها، وله سلاح مشحونٌ باللهب، وله مضجعٌ يأوي إليه مع الجند، وله ميدان ترابي تنتظم فيه حركاته وسكناته كغيره من رجال الجيش. 

لكن!! كم هو مسكين هذا الشاعر، يعيش أجزاءً وأشلاء، فروحه في الأفق، وخياله راكبٌ على أجنحة الضحى، ووجدانه يصارع الأمواج في المحيط الهادر، وجسده كأي إنسان يعيش حياة عادية في المعسكر والخندق، فيا حسرتاه على الشعراء. 

وهو في غبار الخندق ترانيمه الواهمة تملي عليه: 

يا ربيع الورد ما ذنب الشذى؟! 

وتملي عليه: 

كان لي ليلٌ ولي صبح ولي 

موطنٌ فيه انشغالي واضطجاعي 

ومع إسفار الفجر المرتقب في الخيال البريهي نراه يشمت بالظلام: 

شاب رأس الليل من أطرافه 

عازمًا عن وجهه كشف القناع 

وعندما يفيق الوجدان الملتاع من أماني اليأس يستفيق معه الشعور بالحقيقة الواهمة فيقول: 

كل ما حولي أناسٌ عندهم ******* ضعف ما عندي من الوهم المشاع

ولا تكاد مؤثرات مهنته العسكرية ومفردات الميدان تغيب عن وظائف تشبيهاته في التقدم نحو النجاح، وسرعة التراجع بهزيمة: 

كلما شنيت حربًا هاجمتـ

ـني أحاسيسي من الخط الدفاعي

 

والشاعر ليس واعظًا ولا حاجة له بادعاء المثاليات والتقمص بها، بل ما يميز الشاعر هو الواقعية في الاعترافات، ولا يكلف نفسه الإخفاء حياءً، ولا النفاق خجلا، بل لا يقدر الشاعر على كتمان حاجاته، وسلوكياته، وأفكاره، وقناعاته، ولهذا السبب وحده استطاع النقاد والدارسون تعرية الشعراء، ونصوصهم الشعرية، والحكم على الشاعر قبل الحكم على الشعر، وعلى هذا الأساس قامت محاكم النقد، وعلقت موازين الناقدين فقالوا: 

أبو العتاهية واعظ ناسك، وامرؤ القيس سيد المشبهين وأعبثهم، وأبو نواس ما جن المثلين، وهكذا. 

وهذا البريهي الشاب ينكر عادات قومه المفتونين بعاهة مضغ القات، وقضائهم الساعات في مجالسه تنشيطًا ثم تثبيطًا. 

ويشبه الحال – وهو صائب:

همنا همُّ المواشي ما لنا ... همُّ إنسانيةٍ غير المتاع

ومع هذا يعترف بواقعه وتناوله كواحدٍ من أهالي بلدته:

فرت الأوقات من عمري إلى ... عالم السوطي، والقات الضلاعي

 

والسوطي، والضلاعي نوعان من القات نسبتهما إلى مكاني زراعته. 

والشاعر يفقد نومه لكثرة تنبيه القات، ويحاول أن يستعيده، ولكن بأقراص الكيمياء الجالبة للنوم:

عشته نومًا وصحوًا قبل أن ... يتبنَّى الرستل النوم الصناعي

والشاعر البريهي لا يبالي بالوعاء الذي يصب فيه لآليه، يستوي الوعاء ما دام قادرًا على استيعاب المعاني، ومرامي التعبير، سواءً كان عموديًا، أو تفعيليًا، أو حداثيًا، فالجمالية لن تختفي وراء جدران الأوعية الشعرية. 

وقصيدته انتحار الزمن التي أطلقها عنوانًا لديوانه، وغرضها الرثاء لشاعر اليمن الكبير عبد الله البردوني، رصعها بشجونه وجراحات فؤاده، دون هروب وراء الحزن، ولا انشغال عن تصفيف الصور، ورص صفوف المفردات السلسة في عمودية أصلية. 

كما رأيناه في طفولات الصباحات يهديها إلى الشاعر الناقد الكبير عبد العزيز المقالح الأب الروحي لمدرسة التجديد الحداثية، والذائد عن حياضها، مع بقائه رائدًا في صناعة القصيدة العمودية، ونقدها، والبريهي يكيل للأستاذ الكبير المقالح من حيث وزن في وعاء حداثي مختلف تقطيعًا، ومؤتلف إيقاعًا مع المدرسة الحداثية. 

ها أنت يا أبتي... 

تعانق كل شاردةٍ وواردةٍ 

معانقة الأب المشغوف بابنته التي ألفت 

تعيش بحضه المزروع 

بالثمر الحنون 

إلى أن يقول: 

فأنا ابن عصري 

إن قرأت 

وإن كتبت 

وإن سألت وإن أجبت 

هذا قراري وليكن ما كان 

وليس الشاعر بالذي يخفي وشائج حاجاته، وهذه سمة الشاعر الذي لو كان له أن يخفي دخائله لأخفاها المتنبي، وأبو فراس الأمير الشاعر. 

ولهذا نرى الشاعر الفيصل يمتدح زعيم بلاده الرئيس علي عبد الله صالح، ويطالبه بسيارة: 

في الأرض مازلت أطويها على قدمٍ 

حافٍ، فقد نلت من سعيي بها نصبًا 

قد كان لي مركبٌ سخرته عبثًا 

في خدمة الجيش حتى شاخ محتسبًا 

وفي روابط اليأس القاهر يندلع الظنا، والضجر فيغلي في صدر الشاعر فيتخلى عن كل شيء حتى عن الحب، والعشق، والغرام في رعشة واحدة:

واهم من يظن أني أُحب ... لم يعد في حشاي للحب قلب

أدعي الحب والمودة لكن ... كل ما أدعي نفاق وكذب

 

ومالي وما لهذا الشاعر الذي يصدر بهذا ديوانه الخامس، وفي جيب الهوى والهموم سادس، وسابع، لكن الاعتراف بهذا الشاعر ولهذا الشاعر في حضور لا ينازعه غيره ولا يباريه أترابه، يتجلى في تملكه النبرات العليا من أنفاس وأجراس بحر الخفيف الطروب العذب. 

فحضوره البارز في موسيقى هذا البحر ونبراته، لا يبارى ولا يجارى إلا بمثله:

غامري واسلكي الطريق المخيفة ... لا تكوني جبانة أو ضعيفة

لن تفوزي بلذة العيش إن لم ... تكبحي الموج كالرياح العنيفة

ومن هذه الموسيقى الطروبة العذبة يغرف من بحر الخفيف أنفاسًا طويلة بزفرات الذم والهجاء لمن هم غاية في السوء:

كالدجى غادروا وكالليل عادوا ... في خشوع يحدوهم الانقياد

غادروا ظلمةً وعادوا ظلامًا ... مثلما يعقب الحداد الحداد

 

وهكذا يجر جيوش الصور الهجائية في هذه القصيدة كما يسوق صور المدح والأمل في الأولى بعسلية الايقاع الخفيف، وكأنه يعزف أوتارًا، أو ينشد ترانيم أحزان. 

ولن أغادر هذه الواحة المتزاحمة بالصور من أطايب الثمر الشعرية، حتى أزف للساحة الأدبية اليمنية والعربية بشائر الألق الإبداعي في جيلٍ يماني جديد. 

جالستهم في منتدى الإبداع وسمعت منهم وثبات الفروسية الشاعرية الدافقة، كلهم فيصل البريهي ومقارباته، كما أتحاشى الكتابة عن هذه الأكمام النضيرة بإسقاطات المناقد الفنية كما أرفض بتتبع جوانب الظلال من هالات العينين الجميلتين، وهذا الشعر والشاعر يستحقان دراسة نقدية كاملة في أطروحةٍ علمية خاصة بديوانه هذا وانتاجه الواسع المرصع بدرر الإبداع. 

د. عبد الولي الشميري

رئيس مؤسسة الإبداع للثقافة والفنون والآداب – صنعاء

رئيس منتدى المثقف العربي – القاهرة

القاهرة 8 مارس 2006م