الخميس“ 21 يونيو 2018 - 08:12 م - جرينتش

مفارقات بين المعتمد، وصدام


فتتاحيات مجلة المثقف العربي 

العدد (40) صدر بتاريخ (2005)

 

المعتمد بن عباد بن الملك المعتضد الأندلسي أمير مملكة أشبيلية، الشاعر الكبير، كان قاضيًا في عصر أبيه على بلاد البرتغال هذا الذي ابكتني أخباره وأشعاره وسجنه في غربته، وذلته، وفقره بعد ملك عتيد وسلطان عنيد. 

وصدام حسين الذي يقضي لياليه وأيامه في السجن الذي بناه، وفي الوطن الذي ارتجف من رعبه، وحجبت القاع والبقاع صوره وأعلامه. 

كلا الرجلين كان ملكًا في عصره، وكلا الرجلين خلع من حكمه واعتقل، وافتقر، وأُذل. 

وعندما وقفت على قبر المعتمد بن عباد ملك أشبيلية، الأمير الفارس المنعم، في (أغمات) شرقي مراكش، سبقني سلام الدموع حزنًا من المعتمد، وحزنًا على المعتمد، وتذكرت – وللذكرى مئاسيها – قول الشاعر "ويلي عليك وويلي منك يا رجل".

فالمعتمد بن عباد كان أرق من النسيم، وأرحم من الخال والعم، وأكرم من البحر، عالمًا، جوادًا، فارسًا، وشاعرًا أندلسيًّا متيمًا منعمًا. 

لكن صدام السجين المعاصر لا يتمتع إلا بالعكس من ذلك وساعدته ليال كان يحسبها ... سعدًا، وكانت على أيامه نحسا

 

ورغم حزني الشديد على الأمير الأندلسي وأنا أقرأ أبياته التي كتب على ضريحه إلا أنني ترحمت أولا على الرجل الذي اعتقل المعتمد الحبيب واقتادهُ أسيرًا من أشبيلية إلى سجن أغمات، ودعوت بخشوع لذلك الرجل الذي لولاه - والله أعلم - لما كان في المغرب العربي كاملا إسلام ولا عربية، ولكان كما أخبرني الصديق علامة المغرب ومؤرخها الكبير عبد الهادي التازي، الذي قال لو لم يكن حكم المرابطين ويوسف بن تاشفين لكان إسمي الآن (آلس - Alice) بدلا عن عبد الهادي، نعم وعندما وقفت على ضريح يوسف بن تاشفين بطل المغرب والأندلس، وموحد شمال أفريقيا وجزيرة ألبيرا الأوربية بكل ممالكها شعرت برجفة عند ضريحه بمراكش، واضطراب، إجلالا وحبًّا، وتهيبًا لهذا الفارس القائد الكبير، قائد معركة الزلاقة الشهيرة التي سميت بالزلاقة لانزلاقات الخيل على الدماء الغزيرة التي تدفقت أنهارًا على أرض المعركة بالأندلس. 

نعم بكيت كالثكلاء دونما خَوَرٍ على عظمة دولةٍ، وفارس، وبلد، وعصر، ونصر، ومجد. 

إن مدينة مراكش الحمراء، وأغمات الخضراء، أو حيا إليَّ بإجابةٍ لسئوالٍ كان يتردد على خاطري منذ سمعت أستاذي عبد الله الضحوي وهو يروي بحرقةٍ وحزن قصيدة المعتمد بن عباد يوم العيد، وهو في سجنه والقيد يأكل لحمه ويشرب دمه، حينما أقبلت بنياته لزيارته يوم العيد:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فجاءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة ... يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

برزن نحوك للتسليم خاشعة ... أبصارهن حسيرات مكاسرا

يطأن في الطين والأقدام حافيةً ... كأنها لم تطأ مسكا وكافورا

أفطرت في العيد لا عادت إساءته ... فكان فطرك للأكباد تفطيرا

قد كان دهرك إن تأمره ممثلا ... فردك الدهر منهيا ومأمورا

من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا مغرورا 

إن الرواية المحزنة لهذه الأبيات أثارت في أعماق طفولتي تحفظًا على القائد يوسف بن تاشفين، وغيظًا منه بدافع العطف والشفقة على الأمير السجين المعتمد الذي أخرج من قصره واقتيد من الأندلس إلى المغرب حتى مات في سجنه، فما الذي دهى يوسف القائد الفاتح لعملٍ موجع كهذا؟ أين عظمته؟ أليس ظلمًا منه وتسلطًا؟

هذه الأسئلة أجابتني عليها رحلتي لأغمات، ووقوفي على ضريحي الملكين، وقراءتي التحليلية لمسلسل مجريات الأحداث في عصرهما، وكنت حديث عهدٍ بحضور القمة العربية التي انعقدت في الجزائر وجرحت منها نجيًّا ناجيًّا رغم الخطابين الطويلين من الأخ العقيد القائد في الجلستين العلنية والمغلقة، ورغم وجود النقائض والاضداد، ورغم ورغم، فقد تعلمت من حضوري القمم العربية الملتهبة في شرم الشيخ، وتونس، وبيروت، والجزائر، ثقافة التحليل وفلسفة السياسيين، واهتديت أخيرًا إلى إجابة مقنعة تبرر ما صنع القائد الميمون يوسف بن تاشفين بالحبيب الأديب الكبير الملك المعتمد بن عباد. 

ليس الطمع في توحيد الأندلس والمغرب العربي تحت مملكة المرابطين المغاربية، ولا الاستيلاء على مملكته، ولا طمعًا في قصوره ونعيمه على نهر أشبيلية، كما طمع الرئيس بوش وأمريكا بنفط وثروات العراق، وسكن قصور المنطقة الخضراء ببغداد. 

ولكن لأن القائد يوسف كان قد استنجد به ملوك الأندلس الخمسة في كل من أشبيلية، وغرناطة، وقرطبة، وطليطلة لمواجهة جيوش (الفُنش) الغازية لممالكهم، والزاحفة على حضارة المسلمين بالأندلس، فأنجدهم بجيش جرار من جيوش المرابطين من أرجاء الأقطار المغاربية، وعبر بهم البحر وجدد زحف طارق بن زياد، منطلقًا من طنجة عبر مضيق جبل طارق، ونجح في صد العدوان، وهزم (الفُنش) ودعا ملوك الطوائف بالأندلس للتوحد، وبناء جيش قوي يناسب متطلبات الموقع، والموقف من ثغور الأندلس، ثم انسحب بجيوشه التي سلمت من الموت، وعاد إلى المغرب مظفرًا ميمونًا. 

وفوجئ بعد بضع سنين بأن (الفُنش) بنو قوةً كبرى، وزحفوا بها على ممالك الأندلس، واستعدوا لمواجهة أسوأ الاحتمالات، وإذا بالملك الشاعر المعتمد يستنجد مرةً أخرى بيوسف وبجيوش المرابطين، ومرةً أخرى يجهز يوسف ستين ألف فارس بجهازهم الحربي، ويذهب لنجدة الممالك المتشرذمة بالأندلس، ويجد نفسه في مواجهة أقوى جيوش أوروبا المجهزة يومذاك، ولم يجد في ممالك الأندلس أيَّ بناءٍ للقوة، ولا استعداد للحرب، بل وجد الأموال صرفت لبناء القصور، والزهور، والأسمار الفنية، والأمسيات الشعرية، والاحتفالات المراسيمية. 

ومع ذلك واجه تحمل مسئولية معركة الزلاقة الفاصلة، أعتى معارك الأندلس، وأشرسها، حتى انتصر، وهزم (الفُنش) وجيوش أوروبا، وضحى بعشرات الآلاف من قادته وجيوشه، وبعد النصر فتح تحقيقًا مع ملوك الأندلس الذين تغافلوا بالنعيم، وغفلوا عن عدوهم، وإذا بالملك الشاعر المعتمد بن عباد قد كشفت التحقيقات بأنه كان يعيش فضاءُه الشعري، وفنه الأدبي، ولم يعد العدة للدفاع عن مملكته، وحمله المسئولية رجال دولته، وعامة رعيته في الغفلة والتسبب في نتائج معركة الزلاقة الدامية، فكان ذلك الموقف الصارم الثائر من القائد الفاتح يوسف بن تاشفين، ضد المعتمد، فاقتاده أسيرًا وحكم عليه بالسجن في قيده أربع سنوات، وبضعة أشهر حسمها الموت للمعتمد سنة (1095م – 585هـ) في مدينة أغمات. 

لكنه كان سجنًا قاسيًا على نفس المعتمد بعد نعيم الملك، وكان عذابًا من الحزن، لكنه لم يكن سجنًا حضاريًّا كما هي سجون عصر حقوق الإنسان، ووفق اتفاقيات الأمم المتحدة اليوم، كان سجنًا ينقصه من حقوق السجناء السياسيين اليوم أشياء كثيرة، مثلما نرى ونسمع، فلم يتمتع السجناء يوم ذاك بحقوق الاغتصاب الجنسي، ولا نهش الكلاب الأمريكية المدربة، ولا الصعق الكهربائي، ولا التعدي على الأعضاء التناسلية، ولا، ولا شيء مما قامت عليه السجون المعاصرة للسجناء السياسيين. 

فرحم الله يوسف بن تاشفين، ورحم المعتمد بن عباد القائل: 

قيدي أما تَعلَمُني مسلما؟! ... أبيتَ أن تشفق أو ترحما 

دمي شراب لك، واللحم قد ... أكلته، لا تهشم الأعظما

يبصرني فيك، أبو هاشم ... فينثني والقلب، قد هُشما 

ارحم طفيلا طائشا لبُّه ... لم يخش أن يأتيك مسترحما 

وارحم أخياتٍ له مثله ... جرعتهُنَّ السَّم والعلقما 

 

(وأبو هاشم طفل المعتمد بن عباد) 

فأين اليوم، يوسف هذا العصر ليحضر معنا إحدى القمم العربية، مع زعماء الطوائف والدول العربية، ويوقع قراراتها، وليصنع ما يشاء. 

أمَّا أنا فقد أُرتِجَ علي الشعر إلا من أبيات تذكرتها للسان الدين ابن الخطيب عندما وقف مثلي على قبر المعتمد وقال:

قد زرت قبرك عن طوع بأغمات ... رأيتُ ذلك من أولى المهمات

لم لا أزورك يا أندى الملوك يدا ... ويا سراج الليالي المدلهمات

وأنت من لو تخطى الدهرُ مصرعَه ... إلى حياتي لجادت فيه أبياتي

 

الدكتور عبد الولي الشميري